مستشارك القانوني

صابر سكر يكتب: الإيدز.. جريمة بلا عقوبة تليق بخطورتها

خط أحمر

رغم التطور الذي يشهده التشريع الجنائي المصري في مواجهة صور الجريمة المستحدثة، لا تزال هناك فجوة تشريعية واضحة في التعامل مع جريمة تعمد نقل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، خاصة إذا وقعت بين الزوجين في إطار زواج رسمي أو عرفي أو في الأشد بلاء العلاقة الغير مشروعة. فهذه الجريمة، على بالغ خطورتها، لا تجد حتى الآن نصًا جنائيًا خاصًا يحدد أركانها وعقوبتها بما يتناسب مع جسامة آثارها، الأمر الذي يترك الباب مفتوحًا لاختلاف التكييف القانوني من قضية إلى أخرى.

وتزداد خطورة الأمر عندما يعلم أحد الزوجين أو أحد طرفي العلاقة بإصابته بالفيروس، ثم يُخفي هذه الحقيقة عمدًا ويقدم على إقامة علاقة تنقل العدوى إلى الطرف الآخر، فيتحول الزواج أو الثقة أو الرابطة الإنسانية إلى وسيلة لارتكاب جريمة تمس أغلى ما يملكه الإنسان، وهو حقه في الحياة وسلامة جسده.

وفي الواقع العملي، لا يوجد في قانون العقوبات المصري نص يجرم هذه الصورة الإجرامية بصورة مستقلة، وهو ما يضطر جهات التحقيق والمحاكم إلى البحث عن تكييف قانوني من خلال النصوص العامة. فتارة تُكيف الواقعة باعتبارها إصابة خطأ ، وتارة تُثار مسألة العاهة المستديمة، وقد تنتهي بعض الوقائع إلى اعتبارها إصابة عارضه وتنتهي الي حفظ المحضر أو الحفظ لتعذر وجود أدلة أو كفايتها ، وهو ما يؤدي إلى تفاوت في الأحكام واختلاف في المعالجة القانونية، رغم تشابه الوقائع وخطورة نتائجها.

ومن وجهة نظري، فإن هذا الفراغ التشريعي يمثل قصورًا يستوجب تدخلًا عاجلًا من المشرع المصري، لأن تعمد نقل فيروس الإيدز لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إصابة عادية. فالجاني، وهو يعلم يقينًا بحقيقة مرضه، يُقدم بإرادته على نقل عدوى تهدد حياة المجني عليه، وتفرض عليه علاجًا مستمرًا ومعاناة صحية ونفسية واجتماعية قد تستمر مدى الحياة.

ورغم ما حققه الطب من تقدم في السيطرة على المرض، فإنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى علاج يقضي نهائيًا على فيروس الإيدز ويحقق الشفاء منه ، وهو ما يجعل تعمد نقل العدوى سلوكًا بالغ الخطورة، لا يختلف في جوهره عن استخدام وسيلة قاتلة للاعتداء على إنسان بريء.

ولذلك، أرى أن الوقت قد حان لتدخل تشريعي صريح يستحدث نصًا خاصًا يجرم تعمد نقل فيروس الإيدز أو غيره من الأمراض المعدية المهددة للحياة متى ثبت علم الجاني بإصابته وقصده نقل العدوى، مع تشديد العقوبة إذا استغل رابطة الزوجية أو الثقة أو الخداع لإتمام جريمته.
كما أرى أن تعمد الزوج نقل الفيروس إلى زوجته، أو الزوجة إلى زوجها، بعد العلم بالإصابة وإخفائها عمدًا، يجب أن يُعامل بوصفه صورة من صور (القتل العمد ، مع سبق الإصرار والترصد ) متى توافرت أركان هذا الوصف قانونًا، أو أن يستحدث المشرع نصًا بعقوبة مماثلة إذا رأى أن أركان جريمة القتل العمد في صورتها التقليدية لا تنطبق على جميع الحالات. فالجاني هنا لا يضغط على الزناد، لكنه يستخدم جسده ومرضه سلاحًا خفيًا لإلحاق ضرر قد ينتهي بالموت.

إن القوانين لا تُشرع لمعالجة جرائم الأمس فقط، وإنما لمواجهة جرائم اليوم والغد. وإذا كان المشرع قد شدد العقوبة على من يستخدم السم أو غيره من الوسائل القاتلة عمدًا، فإن من يتعمد نقل فيروس قاتل إلى شريك حياته أو إلى غيره لا يقل خطرًا، بل قد يكون أشد قسوة؛ لأنه يستغل الثقة والعلاقة الإنسانية لتنفيذ جريمته.

إن سد هذه الفجوة التشريعية لم يعد رفاهية قانونية، بل أصبح ضرورة لحماية الحق في الحياة، وتحقيق الردع العام، ومواكبة التطور المتسارع في صور الاعتداء على الإنسان، حتى لا تبقى هذه الجريمة الخطيرة أسيرة نصوص عامة لم توضع أصلًا لمواجهتها.

صابر سكر  الإيدز. جريمة بلا عقوبة تليق بخطورتها خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة