الدكتور محمد العربي يكتب: رضا الوكيل.. قائد مرحلة جديدة تعيد للأوبرا المصرية بريقها وريادتها


في لحظةٍ تتسارع فيها المتغيرات الثقافية والفنية على المستويين الإقليمي والدولي، لم يكن اختيار الدكتور رضا الوكيل لرئاسة دار الأوبرا المصرية مجرد قرار إداري، بل جاء ليعكس رؤية تؤمن بأن المؤسسات الثقافية الكبرى لا تُقاد إلا بأصحاب الخبرة والإنجاز، وبمن صنعوا تاريخهم على خشبات المسارح العالمية قبل أن يتولوا مسؤولية صناعة المستقبل.
فالحديث عن رضا الوكيل ليس حديثًا عن مطرب أوبرالي بارز فحسب، وإنما عن مدرسة فنية متكاملة، استطاعت أن ترفع اسم مصر في أهم دور الأوبرا العالمية، وأن تؤكد أن الإبداع المصري قادر على المنافسة والتميز في أرقى المحافل الدولية. فهو أحد أبرز الأصوات الأوبرالية العربية التي نجحت في ترسيخ حضورها على الساحة العالمية، جامعًا بين الموهبة الاستثنائية، والانضباط الأكاديمي، والخبرة الإدارية التي تؤهله لقيادة واحدة من أعرق المؤسسات الثقافية في الشرق الأوسط.
واليوم، تدخل دار الأوبرا المصرية مرحلة جديدة عنوانها التطوير دون التفريط في الهوية، والانفتاح دون المساس بالقيمة الفنية، والتحديث دون التخلي عن الرسالة الثقافية. وهي معادلة دقيقة تحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية بقدر ما تمتلك حسًا فنيًا رفيعًا، وهو ما يجسده رضا الوكيل.
إن الأوبرا المصرية ليست مجرد مسرح للعروض الفنية، بل هي أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، وواجهة حضارية تعكس تاريخ أمة صنعت الثقافة والفنون عبر آلاف السنين. ومن هنا، فإن الرهان على قيادة تمتلك تاريخًا فنيًا مشرفًا وخبرة مؤسسية واسعة يمثل استثمارًا في مستقبل الثقافة المصرية، ورسالة واضحة بأن الدولة ماضية في تعزيز دور الفنون باعتبارها ركيزة من ركائز بناء الإنسان.
لقد أثبت رضا الوكيل، عبر مسيرته الممتدة لعقود، أن النجاح لا يُقاس بعدد الجوائز فقط، وإنما بالقدرة على صناعة أجيال جديدة، والحفاظ على المؤسسات، وابتكار مسارات جديدة للإبداع. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمامه لن يكون الحفاظ على المكانة التاريخية لدار الأوبرا فحسب، بل الانطلاق بها نحو آفاق أكثر رحابة، تجعلها مركزًا إقليميًا للإبداع والتبادل الثقافي، وجسرًا يربط بين التراث المصري العريق وروح العصر.
ولا شك أن المرحلة المقبلة تفرض مسؤوليات جسامًا؛ فالمطلوب هو تقديم مشروع ثقافي متكامل يوسع قاعدة الجمهور، ويعزز حضور الفنون الجادة، ويفتح أبواب الأوبرا أمام الشباب، ويعمق التعاون مع كبرى المؤسسات الفنية العالمية، لتظل القاهرة عاصمة للفن والثقافة في المنطقة.
إن تولي الدكتور رضا الوكيل رئاسة دار الأوبرا المصرية ليس مجرد انتقال للمسؤولية، بل هو بداية لمرحلة جديدة تُستعاد فيها روح الريادة، ويُعاد فيها رسم ملامح القوة الناعمة المصرية، لتبقى الأوبرا منارة للإبداع، وحصنًا للهوية الوطنية، وصوتًا حضاريًا يعبر عن مصر أمام العالم.


.png)

































