مديحة عاشور تكتب: 23 يوليو.. حين تغيّرت الصورة


منذ أن درستُ فلسفة الصورة، أدركتُ أن الأحداث الكبرى لا تُقرأ فقط في الكتب، بل تُقرأ أيضاً في الصور التي تتركها في الوعي الجمعي. فالصورة ليست انعكاساً للواقع فحسب، بل هي أداة لصناعته وإعادة تشكيله.
لهذا تبدو ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أكثر اللحظات المصرية كثافةً في إنتاج الصورة. لم تكن مجرد حركة ضباط أنهت نظاماً سياسياً، بل كانت حدثاً أعاد رسم صورة المصري عن نفسه. انتقلت الصورة من مشاهد القصور والنخبة المحدودة إلى صورة المواطن العادي الذي أصبح جزءاً من الحكاية الوطنية. ومن صورة الخضوع للاستعمار إلى صورة الدولة الساعية إلى الاستقلال والكرامة الوطنية.
في فلسفة الصورة، لا يعيش الحدث بقدر ما تعيش رموزه. ولهذا بقيت صور يوليو حاضرة في الذاكرة المصرية: الضباط الشبان، الجماهير المحتشدة، السد العالي، ومشروعات التنمية التي تحولت إلى علامات بصرية على مرحلة كاملة. قد تختلف الأجيال في تقييم التجربة، لكن أحداً لا يستطيع إنكار قوة الصورة التي صنعتها يوليو في وجدان المصريين.
والثورات في تاريخ مصر لم تكن مجرد تبدل في السلطة، بل كانت دائماً لحظات لإعادة تعريف الذات الوطنية. من ثورة 1919 إلى ثورة يوليو، ومن انتفاضات الوعي الشعبي وصولاً إلى 30 يونيو، ظل المصري يبحث عن صورة الوطن الذي يريده، وعن مكانه هو داخل هذه الصورة. فالثورات في جوهرها ليست فقط تغييراً للواقع، بل تغييراً للطريقة التي يرى بها الشعب نفسه ومستقبله.
بعد أكثر من سبعين عاماً، تبقى 23 يوليو حدثاً مفتوحاً على التأويل والنقاش. لكن المؤكد أنها نجحت في صنع صورة كبرى لمصر الحديثة، صورة ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة والوجدان، لأن الصور الكبرى لا تموت بانتهاء زمنها، بل تستمر ما دام هناك من يقرأ التاريخ بعين الفكر، لا بعين الحدث وحده.


.png)































