ماكرون: العالم بحاجة لإعادة التأكيد على المبادئ الإنسانية أكثر من أي وقت مضى


أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم / الثلاثاء /، أن العالم بات في حاجة إلى إعادة التأكيد على المبادئ الإنسانية أكثر من أي وقت مضى.
وشدد ماكرون، في كلمة مسجلة أمام النسخة السابعة من المؤتمر الوطني الإنساني الذي انطلقت أعماله اليوم في باريس، على أن فرنسا تسترشد في عملها الخارجي ببوصلة واحدة هي «القانون الدولي».
وأضاف أنه بفضل التزام فرنسا وشركائها، انضمت نحو 120 دولة حتى الآن إلى المبادرة العالمية لدعم القانون الدولي الإنساني، التي أطلقتها فرنسا عام 2024 بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأوضح أن هذه المبادرة أثمرت توصيات عملية للحفاظ على الإنسانية في أوقات الحرب، من خلال التركيز، على سبيل المثال، على حماية الملاحة المدنية عبر ممرات بحرية آمنة، وحماية البنية التحتية المدنية في البحر، ومكافحة التضليل الإعلامي الذي يهدد عمل الفاعلين في المجال الإنساني، فضلًا عن ضرورة الاستخدام المنضبط والمتناسب للتقنيات الحديثة أثناء إدارة العمليات القتالية.
وأشار إلى أن فرنسا تقف إلى جانب السكان المدنيين في جميع الأزمات، سواء في مواجهة النزاعات أو الكوارث الطبيعية، وتظل حاضرة في مختلف أنحاء العالم لتقديم المساعدات الطارئة.
وأضاف أن انعقاد النسخة السابعة من المؤتمر الوطني الإنساني يشهد على قوة واستدامة التزام فرنسا بالاستجابة للأزمات، لافتا إلى أنه منذ عام 2011، جعلت فرنسا من المؤتمر منصة للحوار مع شركائها الميدانيين.
وأكد الرئيس الفرنسي أن بلاده ستواصل جهودها خلال المؤتمر المرتقب في الأردن في 7 ديسمبر القادم، متقدمًا بالشكر إلى العاهل الأردني والأردن وكافة فرق العمل على التزامهم، موضحًا أنهم كانوا إلى جانب فرنسا منذ إطلاق هذه المبادرة المشتركة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منوهاً بأن اجتماع 7 ديسمبر سيمثل محطة مهمة للغاية.
وفي السياق ذاته، أشار ماكرون إلى تحرك فرنسا لحشد الدعم الدولي لتأطير وتقييد استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي في حالات الجرائم الجماعية، موضحًا أن المملكة المتحدة انضمت إلى هذه المبادرة، وهو ما وصفه بأنه «خبر ممتاز» خلال الأسابيع الأخيرة، ليصل عدد الدول المنضمة إليها إلى 128 دولة.
ونبه إلى أن المؤتمر الوطني الإنساني هذا العام ينعقد في سياق من الاضطرابات العالمية، ما يدعو إلى إعادة التفكير في المساعدات والعمل بطرق مختلفة، لافتا إلى أن الاحتياجات الإنسانية تتفاقم بسرعة، بينما يطول أمد الأزمات.
وأوضح أن هناك حاليًا 256 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما بلغت حدة النزاعات في العالم مستويات غير مسبوقة، ويعيش أكثر من طفل واحد من بين كل ستة أطفال في العالم في منطقة متأثرة بالنزاعات المسلحة.
وحذر من أن تغير المناخ وتداعياته يزيدان من تفاقم الأوضاع، مع تضاعف الكوارث في مختلف أنحاء العالم وما تترتب عليها من تداعيات إنسانية على السكان، فضلًا عن الاضطرابات الاقتصادية والتحديات الصحية التي تنضم إلى دوائر الأزمات المتكررة، مشيرًا إلى أن الحرب والمناخ وتداعياته والصحة تتداخل في كثير من الأحيان.
وقال: «من اليمن إلى هايتي، ومن أفغانستان إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومن فلسطين إلى أوكرانيا، هناك ملايين النساء والرجال والأطفال ممن يدفعون الثمن»، مضيفًا أنه في الوقت الذي يغض فيه البعض الطرف عن هذه الأوضاع، تسعى فرنسا من خلال هذا المؤتمر إلى تسليط الضوء على الأرواح المتأثرة بهذه الأزمات الإنسانية والعمل معًا لإيجاد حلول لها.
ونبه إلى أن النساء والفتيات هن الضحايا الأوائل للعنف المتزايد وغير المحتمل في هذه الأزمات، لافتًا إلى تراجع حقوقهن والعودة، للأسف، إلى أوضاع تعيد إلى الأذهان قرونًا مضت.
وأوضح أن فرنسا تواصل التزامها في أفغانستان واليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية من خلال برامج مخصصة لمنع ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتعزيز الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، ودعم مشاركة النساء بمختلف أطيافهن في هيئات الحوار واتخاذ القرار، مؤكدًا أن تعليم الفتيات يظل أولوية دائمة لعمل بلاده.
وشدد ماكرون على أن أعمال العنف المرتبطة بالنزاعات لا تستثني السكان المدنيين، ولا حتى العاملين على مساعدتهم، مشيرًا إلى أن 1187 عاملًا في المجال الإنساني تعرضوا للهجمات العام الماضي، فيما فقد 350 منهم حياتهم، وكان أكثر من نصفهم في غزة.
وأكد ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة ومن دون شروط أو عوائق، تحت أي ظرف من الظروف، معتبرًا أن ذلك يمثل جوهر الدبلوماسية الإنسانية التي تقودها فرنسا بالتعاون مع شركائها، وفي مقدمتهم الشركاء الأوروبيون.
وأوضح أن هذا السياق يتطلب أيضًا نهجًا جماعيًا وتشاركيًا معززًا، أولًا من خلال الابتكار وتجميع الموارد لرفع كفاءة عمليات إيصال المساعدات وتوفير مخزونات مشتركة، وهو ما جعلته فرنسا أولوية خلال رئاستها لمجموعة السبع هذا العام.
ونوه بأن تكييف الاستجابة للأزمات يعني أيضًا إدماج المخاطر المرتبطة بتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور البيئة المحلية، والتي تؤدي إلى تداعيات إنسانية مأساوية، مشيرا إلى أن فرنسا تواصل، في هذا الصدد، تعزيز قدراتها في مجال الاستباق والاستعداد للكوارث وآليات الاستجابة للطوارئ.
وقال إن التحلي بالواقعية يفرض الإقرار بحالة القلق التي يعيشها السكان المتأثرون بالأزمات، وهي حالة تفاقمت بفعل التحديات المالية التي تواجه العديد من المانحين التقليديين، فضلًا عن تراجع الموارد والتمويلات.
وأضاف أن فرنسا نفسها ليست بمنأى عن هذه الظاهرة، إذ تواجه مساعداتها الإنمائية الرسمية انتقادات وتحديات متزايدة، وستتراجع المخصصات المالية المتاحة بسبب القيود المالية، وذلك بعد أن كانت قد بدأت قبل تسع سنوات مسارًا تصاعديًا قويًا لزيادة هذه المساعدات، وهو ما كان مصدر فخر كبير للبلاد.
وأكد ضرورة أن يكون الجميع واقعيين إزاء الهجمات السياسية على الاستثمار التضامني والقيود المالية التي تؤثر على العديد من المانحين، مشددًا في الوقت نفسه على أن ذلك يجب ألا يثني عن تحقيق الأهداف، وإنما يستدعي إعادة ترتيب الأولويات، وتحسين عمل الوكالات الإنسانية، وتعزيز تكامل التمويلات ورفع كفاءتها، إلى جانب الاستفادة القصوى من الرافعة المالية للقطاع الخاص.
وذكر أن كل هذه الجهود يجب أن تعزز تصميم المجتمع الدولي على ضمان احترام الجميع للقانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أن هذه المعركة أصبحت أكثر أهمية في ظل الظروف المتزايدة الصعوبة.
وأضاف أنه يتعين، في هذا الإطار، تعريف أكبر عدد ممكن من الناس، ولا سيما الشباب، بأهمية القانون الدولي الإنساني، معربًا عن قناعته بأن ألعاب الفيديو والتقنيات التفاعلية الغامرة يمكن أن تشكل حليفًا قويًا في هذا المجال، وأن التجارب الناجحة التي قادها الصليب الأحمر الفرنسي واللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد ذلك.
وأوضح أن فرنسا ستقود تعبئة واسعة النطاق بمشاركة الجهات الإنسانية الفاعلة والدول والقطاعات الصناعية ومجتمعات اللاعبين، بهدف التوعية بهذه القضايا.
وقال ماكرون إن القانون الإنساني «يذكرنا في جوهره بالشيء الأساسي، وهو أنه في أوقات النزاعات والأزمات والكوارث، يجب أن تكون الأولوية للتضامن الدولي، ويجب احترام وحماية أولئك الذين يقفون إلى جانب صون الأرواح، لأن الروح الإنسانية لها القيمة نفسها دائمًا».
واختتم الرئيس الفرنسي بأن بلاده تقف إلى جانب كل من يدافع عن هذا المبدأ الأساسي، «دون ازدواجية في المعايير، ودون الاستسلام لروح الهزيمة في مواجهة الهمجية».


.png)
































