د.أحمد محمد خليل يكتب: اليوم الدولي للترجمة.. حين تصبح الكلمات جسورًا بين الشعوب


ليست الترجمة مجرد انتقالٍ من لغة إلى أخرى، ولا عمليةً آلية لاستبدال الكلمات بنظائرها؛ إنها فعلٌ ثقافي ومعرفي وإنساني يعبر بالنصوص والأفكار والخبرات من فضاء لغوي إلى آخر، ومن هنا تأتي أهمية اليوم الدولي للترجمة الذي تحتفل به الأمم المتحدة في 30 سبتمبر من كل عام، تقديرًا لدور المترجمين والمتخصصين في اللغة في تقريب الشعوب، وتعزيز الحوار والتفاهم والتعاون والتنمية، وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم رسميًا في 24 مايو 2017 بموجب القرار 71/288، لكن لماذا 30 سبتمبر؟
اختيار هذا التاريخ يرتبط بالقديس جيروم، الذي يُعد شفيع المترجمين، واشتهر بترجمة معظم الكتاب المقدس إلى اللاتينية، وتوفي في 30 سبتمبر عام 420 بالقرب من بيت لحم، ومنذ ذلك التاريخ الرمزي، أصبح الاحتفاء بالترجمة مناسبة لاستعادة الوعي بأهمية هذه المهنة ودورها في التواصل بين اللغات والثقافات، واللافت أن الأمم المتحدة لا تنظر إلى الترجمة بمعناها الضيق فقط، بل تضعها ضمن منظومة أوسع تشمل الترجمة التحريرية، والترجمة الشفوية، والمصطلحات، وغيرها من المهن اللغوية؛ باعتبارها أدوات أساسية للتواصل الدولي وحفظ الوضوح والدقة في الخطاب العام، والمترجم الحقيقي لا ينقل الكلمات منفصلة عن سياقاتها، وإنما ينقل المعنى والثقافة والإيحاء والصورة والأسلوب، ولذلك فإن ترجمة الأدب تختلف عن ترجمة النصوص العلمية أو القانونية أو التقنية، ولكل مجال أدواته ومعاييره وخبراته، وفي العالم العربي، تمثل الترجمة نافذة مهمة على الإنتاج العالمي، كما تمثل في الاتجاه الآخر وسيلة لتعريف العالم بالأدب والفكر والإبداع العربي، ومن ثم فإن حركة الترجمة لا ينبغي أن تكون في اتجاه واحد؛ فكما نحتاج إلى ترجمة العلوم والآداب العالمية إلى العربية، نحتاج أيضًا إلى ترجمة الإنتاج العربي المتميز إلى اللغات العالمية، والجدير بالذكر تواجه الترجمة اليوم تحديات متسارعة، أبرزها ضعف التأهيل المتخصص في بعض البيئات، والخلط بين إجادة اللغة وإجادة الترجمة، فضلًا عن التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع دور المترجم، بل يفرض إعادة تعريف مهاراته، فالتقنيات الحديثة يمكن أن تساعد في السرعة والوصول إلى المعلومات والمصطلحات، لكنها تظل بحاجة إلى المراجعة البشرية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالأدب، والسياق الثقافي، والدلالة، والأسلوب، والدقة الاصطلاحية، ويأتي موضوع مقالى هذا اليوم الدولي للترجمة 2026 ليؤكد هذا البعد الإنساني؛ إذ اختار الاتحاد الدولي للمترجمين موضوع «التنوع اللغوي وحقوق اللغة»، تحت عنوان فرعي لافت: «قوة أن تكون مفهومًا»، مع التركيز على دور الترجمة والترجمة الشفوية والمصطلحات في تحقيق الإدماج اللغوي، على الجانب الآخر فإننا نحتاج إلى تطوير برامج إعداد المترجمين وربط الدراسة الأكاديمية بالممارسة المهنية، وتشجيع التخصص في المجالات المختلفة، ووضع معايير واضحة للجودة، ودعم المترجمين وحقوقهم المهنية، وإنشاء قواعد بيانات وموسوعات مصطلحية عربية حديثة، كما نحتاج إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة للمترجم، لا بديلًا عن الإنسان، مع تعزيز مهارات المراجعة والتحرير والتدقيق النقدي. وفي النهاية، أرى أنه لا تحتفي الترجمة بالكلمات وحدها، وإنما تحتفي بقدرة الإنسان على أن يفهم الآخر وأن يُفهَم من الآخر، فالمترجم يقف في المنطقة التي تلتقي فيها اللغات والثقافات والتجارب الإنسانية، ويمنح النص فرصة جديدة للحياة في لغة أخرى، ولهذا فإن اليوم الدولي للترجمة ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالمترجم، بل فرصة لإعادة التفكير في مكانة الترجمة نفسها باعتبارها جسرًا للمعرفة، وحارسًا للمعنى، وأداةً للتواصل، وفضاءً للحوار بين الشعوب، وعندما تصبح اللغات أكثر تنوعًا، تزداد حاجتنا إلى من يستطيع أن يصنع بينها جسورًا تحفظ المعنى، وتصون الثقافة، وتمنح الجميع قوة أن يكونوا مفهومين، وللحديث بقية ان شاء الله.


.png)

































