خط أحمر
الإثنين، 5 أكتوبر 2026 08:15 صـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

أكتوبر.. كيف صُنِع النصر؟

د. هبة عادل تكتب: من جرح النكسة إلى عبور القناة واقتحام خط بارليف.. حين صنعت مصر المستحيل

خط أحمر

ليس المهم أن نُعلِّم أبناءنا أن مصر انتصرت في السادس من أكتوبر 1973، فهذه حقيقة راسخة في وجدان الوطن، وإنما الأهم أن نُعلِّمهم كيف صُنِع هذا النصر، وما الذي سبق لحظة العبور، وكيف استطاع جيش خرج من مرارة نكسة 1967 أن يعيد بناء قدراته، ويعبر قناة السويس، ويقتحم خط بارليف، ويثبت أن الهزيمة ليست قدرًا، وأن الأمم التي تعرف كيف تتعلم من جراحها تستطيع أن تحول الألم إلى قوة والانكسار إلى إرادة.

فأكتوبر لم يكن لحظة عسكرية بدأت في الثانية ظهرًا، وإنما كان نتيجة سنوات من إعادة البناء والتخطيط والتدريب والاستعداد والصبر. وبعد نكسة يونيو 1967، لم تستسلم مصر للواقع، بل بدأت عملية إعادة بناء شاملة للقوات المسلحة، واستمرت المواجهة في حرب الاستنزاف، واكتسبت القوات المصرية خبرات جديدة، وتطور التدريب والتسليح والتخطيط.

وهنا بدأت المعركة الحقيقية: معركة استعادة الثقة قبل استعادة الأرض.

لقد كان عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف تحديًا عسكريًا وهندسيًا بالغ الصعوبة. فلم تكن القناة مجرد حاجز مائي، ولم يكن خط بارليف مجرد ساتر ترابي، وإنما منظومة دفاعية وتحصينات صُممت لجعل أي محاولة للعبور شديدة التعقيد. لكن العقل العسكري المصري تعامل معها باعتبارها مشكلة لها حلول، فجاء التخطيط دقيقًا، والتدريب مكثفًا، والاستعداد شاملًا.

والأكثر دلالة أن التوقيت نفسه كان جزءًا من المعركة.

لماذا السادس من أكتوبر؟ ولماذا الثانية ظهرًا؟

لم يكن الاختيار عشوائيًا؛ فقد دُرست الظروف المناخية، والمد والجزر، واتجاه التيار، والمناسبات والأعياد في إسرائيل، ومدى قدرة القوات الإسرائيلية على استدعاء الاحتياط. وجاء السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان والمتزامن مع عيد الغفران اليهودي، في توقيت يحقق عنصر المفاجأة، بينما كان اختيار الثانية ظهرًا مرتبطًا بحسابات عسكرية تتعلق باتجاه الشمس والرؤية.

حتى عنصر المفاجأة لم يكن صدفة، فقد سبقت الحرب منظومة من السرية والخداع الاستراتيجي والحفاظ على حقيقة الاستعدادات العسكرية حتى لا يكتشف العدو موعد الهجوم الحقيقي.

ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها مصر سنوات.

في السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات الجوية المصرية ضرب أهداف محددة في سيناء، بالتزامن مع تمهيد نيراني كثيف للمدفعية، ثم بدأت قوات المشاة عبور قناة السويس في موجات متتابعة، بينما عملت عناصر المهندسين العسكريين على فتح الثغرات في الساتر الترابي واقتحام التحصينات وإقامة الكباري وتشغيل المعديات اللازمة لعبور المعدات والأسلحة الثقيلة.

لم يكن المشهد مجرد عبور قناة السويس، وإنما كان اقتحامًا متكاملًا لمنظومة دفاعية كاملة والوصول إلى الضفة الشرقية تحت نيران المعركة.

عبرت القوات المصرية، وأُنشئت رؤوس الكباري، وفُتحت الثغرات، وتمكنت القوات من مواجهة الهجمات المضادة وتثبيت مواقعها شرق القناة.

وهنا يجب أن نتوقف أمام صورة الجندي المصري.

فهو لم يعبر قناة مائية فقط، وإنما عبر فوق حاجز نفسي صنعته نكسة 1967. كان يعبر وهو يحمل سنوات من التدريب والاستعداد والرغبة في استعادة الأرض والكرامة والثقة.

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد شكّل نجاح القوات المصرية في اختراق منظومة الدفاع وإقامة مواقع شرق القناة صدمة عسكرية ونفسية عميقة، وأثبت أن ما يبدو حاجزًا لا يُخترق يمكن تجاوزه عندما يقترن التخطيط بالإرادة والتنفيذ.

لكن عظمة أكتوبر لا تتوقف عند تفاصيل المعركة.

فالحرب أثبتت أن الدولة التي تتعرض لهزيمة تستطيع أن تعيد بناء نفسها، وأن الجيش الذي يتعلم من أخطائه يستطيع أن يعود أكثر استعدادًا، وأن الإنسان الذي يؤمن بقضيته يستطيع أن يصنع ما يبدو مستحيلًا. كما كانت حرب أكتوبر نقطة التحول التي فتحت الطريق أمام استكمال استعادة الأرض، حتى عادت سيناء إلى السيادة المصرية، واكتملت استعادة طابا بالتحكيم عام 1989.

وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا يعني أكتوبر للأجيال التي لم تعش الحرب؟

واجبنا ليس أن نطلب من أبنائنا حفظ تاريخ أكتوبر فقط، وإنما أن يفهموا فلسفة أكتوبر.

أن يفهموا أن مصر لم تنتصر لأنها امتلكت ظروفًا مثالية، وإنما لأنها امتلكت الإرادة لتغيير الظروف. وأن العلم كان جزءًا من النصر، والتخطيط جزءًا منه، والانضباط والعمل الجماعي والتدريب والصبر كلها كانت أسبابًا لصناعته.

ومن هنا نصل إلى معركة مصر اليوم.

معركة الأجيال الجديدة هي بناء الإنسان.

إنسان يمتلك العلم والوعي والقدرة على التفكير، يعرف قيمة وطنه، يحترم العمل، ويؤمن بأن النجاح مسؤولية، ويستطيع التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الحديث، ويشارك في بناء دولة قوية وقادرة على المنافسة.

إذا كان جيل أكتوبر قد حمل السلاح ليحمي الأرض ويستعيد الكرامة، فإن الأجيال الجديدة مطالبة بأن تحمل أدوات العلم والمعرفة والعمل والإبداع لتصون ما تحقق وتبني ما هو قادم.

فالمستقبل لا يُمنح للأمم، وإنما يُبنى بأيدي أبنائها.

ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد ذكرى عسكرية، وإنما يجب أن يتحول إلى مشروع وعي وطني نُعيد من خلاله تعريف أبنائنا بمعنى الانتماء والتضحية والعمل.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نورث الأجيال نتائج النصر دون أن نورثها أسباب النصر.

نريد أن نورثهم وطنًا قويًا، لكن علينا أن نورثهم أيضًا عقلًا قادرًا على الحفاظ على قوته. نريد أن نحدثهم عن أكتوبر، لكن علينا أن نربطه بالجامعة والبحث العلمي والتكنولوجيا والإنتاج والاقتصاد والوعي والأخلاق وإتقان العمل.

لا يكفي أن نقول إن آباءنا عبروا القناة؛ علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا سنعبر نحن؟

سنعبر من الجهل إلى المعرفة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التلقي إلى الابتكار، ومن الخوف من المستقبل إلى صناعة المستقبل.

لقد صنع جيل أكتوبر لحظة فارقة في تاريخ الوطن، وأثبت أن مصر قادرة على استعادة المبادرة بعد أصعب اللحظات.

والآن جاء دور جيل جديد، معركته مختلفة وأدواته مختلفة، لكن الهدف واحد: أن تبقى مصر قوية وآمنة ومتقدمة، وقادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها.

جيل أكتوبر صنع النصر بالسلاح والإرادة والتخطيط.. والأجيال الجديدة مطالبة بأن تصنع المستقبل بالعلم والوعي والعمل.

فإذا كان السادس من أكتوبر قد علّمنا كيف تستعيد الأمة أرضها وكرامتها، فإن واجبنا اليوم أن نعلّم أبناءنا كيف يبنون الإنسان الذي يصون الوطن، وكيف يحولون انتصار الأمس إلى قوة وإنجاز ومستقبل جديد.

تلك هي حكاية أكتوبر الحقيقية: لم يكن النصر لحظة عبرت فيها القوات المصرية قناة السويس فقط، بل كان لحظة عبرت فيها مصر من الهزيمة إلى الثقة، ومن الانكسار إلى القدرة، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.

د. هبة عادل من جرح النكسة عبور القناة اقتحام خط بارليف. خط أحمر
⇧
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة