د. محمد سيد أحمد يكتب: السادات.. خطيئتا السلطة والسلام المنفرد !!


لم تكن أخطاء أنور السادات مجرد عثرات عابرة في مسيرة رئيس حكم مصر، بل كانت قرارات استراتيجية أعادت تشكيل المجتمع المصري، وأصابت المشروع القومي العربي في صميمه، وفتحت أبواباً من الصراعات التي تجاوزت حسابات السلطة ومصالحها المباشرة. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، ارتكب السادات خطيئتين كبيرتين: الأولى استدعاء الجماعات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، لتكون سلاحاً في مواجهة خصومه السياسيين من الناصريين والشيوعيين، والثانية التفريط في الرصيد القومي لانتصار أكتوبر عبر الذهاب إلى تسوية منفردة مع العدو الصهيوني. وفي الحالتين، غلب السادات حسابات تثبيت حكمه على المصالح الاستراتيجية للدولة والمجتمع والأمة العربية، وكأن التاريخ يمكن اختزاله في معركة يخوضها الحاكم ضد خصومه، أو في اتفاق يعقده منفرداً باسم شعب وأمة.
بدأت الخطيئة الأولى حين تعامل السادات مع الحركة الإسلامية باعتبارها أداة سياسية جاهزة لضرب خصومه من أنصار المشروع الناصري والقوى اليسارية. فأفرج عن أعداد من الإسلاميين، وفتح المجال أمام عودة نشاط جماعة الإخوان المسلمين، وشهدت الجامعات والمنابر الصحفية والدعوية اتساعاً لنفوذ التيارات الإسلامية، في سياق سياسة استهدفت تقليص حضور اليسار وإعادة ترتيب المجال السياسي لمصلحة النظام الجديد. لقد أراد السادات إضعاف القوى التي يمكن أن تنازعه شرعية يوليو الاجتماعية والوطنية، فاستعان بقوى تحمل مشروعاً مغايراً لطبيعة الدولة الوطنية الحديثة. وهنا تجلت قصر النظر السياسي في أوضح صوره: أن يظن الحاكم أن الجماعات العقائدية المنظمة ستظل أداة طيعة في يده، وأنها ستكتفي بالدور الذي رسمه لها، بينما كانت تمتلك تصوراً خاصاً للمجتمع والدولة والسلطة، وتسعى إلى بناء نفوذ يتجاوز حسابات النظام ومصالحه.
ولم تقف خطورة هذا الخيار عند حدود الصراع السياسي، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية نفسها، خصوصاً مع التحول نحو الانفتاح الاقتصادي وما صاحبه من تراجع نسبي في الدور الاجتماعي للدولة، واتساع الفوارق الطبقية، وصعود أنماط جديدة من الثراء والاستهلاك. ففي الوقت الذي أخذت فيه الدولة تتخلى تدريجياً عن مسؤولياتها الاجتماعية تجاه الفئات الشعبية، وجدت الجماعات الإسلامية فرصة لبناء شبكات من الرعاية والخدمات والتكافل، مستفيدة من المساجد والجمعيات والمؤسسات التعليمية ومن قدرتها على مخاطبة احتياجات الفقراء والكادحين والبسطاء. وهكذا لم تعد هذه الجماعات مجرد تيارات دينية، بل تحولت إلى قوى اجتماعية تستمد نفوذها من الفراغ الذي تركته الدولة، ومن عجز السياسات الاقتصادية عن تحقيق العدالة الاجتماعية. لقد فتح السادات المجال أمام منافس للدولة داخل المجتمع، ثم أتاح له أن يمد جذوره بين الفئات الأكثر احتياجاً، في مفارقة تكشف كيف يمكن للسلطة أن تهدم بعض أسس شرعيتها بيدها، وهي تظن أنها تحكم قبضتها على خصومها.
ومن هذه الزاوية، لم يكن صعود الإسلام السياسي حادثاً منفصلاً عن سياسات السادات، بل كان أحد مخرجاتها السياسية والاجتماعية. فحين تضعف مؤسسات الدولة الاجتماعية، وتهمش القوى الوطنية واليسارية، ويترك المجال العام لقوى تمتلك تنظيماً وخطاباً وشبكات خدمات، فإن النتيجة لا تكون فراغاً محايداً، بل إعادة توزيع للنفوذ داخل المجتمع. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإسلامية الأكثر راديكالية التي خرجت من تحت عباءتها؛ فاغتيال السادات لم تنفذه الجماعة، وإنما نفذه أعضاء من تنظيم الجهاد المصري. لكن ذلك لا يعفي النظام من المسؤولية السياسية عن البيئة التي ساهمت سياساته في تشكيلها، ولا عن الرهان قصير النظر على توظيف التيار الإسلامي في معركة داخلية، من دون تقدير كاف لما قد ينتج عنه من قوى مستقلة ومعادية للنظام ذاته. لقد أراد السادات أن يجعل الإسلاميين سداً في وجه اليسار، فإذا ببعض التيارات المنبثقة من هذا المناخ تتحول إلى تهديد مباشر للدولة ورأسها.
أما الخطيئة الثانية، والأشد إيلاماً في الوجدان القومي العربي، فكانت إهدار جانب كبير من الرصيد السياسي والمعنوي لانتصار أكتوبر في مسار كامب ديفيد. لقد أعاد العبور العظيم في أكتوبر 1973 الثقة إلى المصريين والعرب، وكسر صورة الجيش الذي لا يهزم، وأثبت أن الهزيمة ليست قدراً أبدياً، وأن الإرادة العربية قادرة على استعادة المبادرة. غير أن السادات اختار أن ينقل مصر من موقع المواجهة العربية مع المشروع الصهيوني إلى تسوية منفردة، انتهت بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979. ومن منظور قومي، لم تكن القضية في استعادة سيناء، فهي حق مصري لا جدال فيه، وإنما في الثمن السياسي والاستراتيجي الذي ارتبط بإخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وإضعاف التضامن العربي، وفتح الباب أمام انقسامات عميقة داخل النظام الإقليمي. لقد كان انتصار أكتوبر رصيداً وطنياً وعربياً مشتركاً، لكن إدارته السياسية انتهت إلى مسار منفرد جعل مصر تتحمل وحدها تبعات خيار بالغ التأثير في مستقبل المنطقة.
وبهذا القرار، لم يخسر السادات جزءاً من الإجماع العربي حول دور مصر فحسب، بل منح خصومه فرصة إضافية لتصوير سياساته باعتبارها خروجاً على الثوابت القومية. فقد تزامن السلام المنفرد مع توترات داخلية، وتفاقم الاستقطاب السياسي، وتصاعد الاعتراض على سياسات النظام الاقتصادية والخارجية. واستطاعت التيارات الإسلامية الراديكالية أن توظف الموقف من إسرائيل ومعاهدة السلام ضمن خطابها المعادي للسادات، بينما اتسعت الفجوة بين السلطة وقطاعات من المعارضة الوطنية والقومية واليسارية. ثم جاءت اعتقالات سبتمبر 1981 الواسعة لتكشف مأزق نظام أخذ يضيق بمختلف معارضيه، بدلاً من أن يعالج جذور الأزمة السياسية والاجتماعية. وهنا تلاقت نتائج الخطيئتين: قوى إسلامية ساهم النظام في توسيع مجالها، وسياسة خارجية أثارت رفضاً قومياً واسعاً، ودولة تواجه أزمات اجتماعية وسياسية متراكمة بأدوات أمنية لا تعالج أسبابها العميقة.
إن اغتيال السادات في السادس من أكتوبر 1981 لا يمكن تفسيره بخطأ واحد، ولا يصح اختزاله في معاهدة كامب ديفيد وحدها أو في استخدام الإسلاميين ضد اليسار. فقد كان نتيجة تفاعل معقد بين صعود تيارات إسلامية راديكالية، والصراع على طبيعة الدولة، والتوترات السياسية والاجتماعية، والموقف من إسرائيل، وأزمة العلاقة بين السلطة والمعارضة. لكن هاتين الخطيئتين تظلان من أهم المفاتيح لفهم مأزق حكمه ونهايته: توظيف قوى أيديولوجية في صراع السلطة من دون إدراك كاف لاستقلالها المحتمل، ثم اتخاذ قرار استراتيجي منفرد غير موقع مصر في النظام العربي. ومن هنا فإن الدرس القومي والسياسي الأعمق هو أن الدولة لا يجوز أن تجعل مصالح الحاكم بديلاً عن مصالح المجتمع، ولا أن تجعل تصفية الخصوم هدفاً يعلو على بناء التوافق الوطني، ولا أن تتعامل مع الانتصارات التاريخية باعتبارها رصيداً شخصياً يحق لها التصرف فيه بلا حساب لعواقبه. لقد امتلك السادات شجاعة قرار الحرب، لكنه أخفق في تقدير العواقب الاجتماعية والسياسية لرهاناته الداخلية، وفي تقدير الأثر القومي لخياراته الخارجية؛ فدفع نظامه ثمناً باهظاً، وبقيت مصر والمنطقة العربية تتعاملان مع آثار مرحلة كان يمكن لمساراتها أن تكون مختلفة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.


.png)
































