خط أحمر
الجمعة، 30 يناير 2026 10:30 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

دنيا ودين

«الفتوى والدراما من الترفيه إلى الوعي» ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب |صور

خط أحمر

استمرارًا للفعاليات الثقافية والنقاشات الفكرية، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب اليوم الجمعة، ندوة بعنوان "الفتوى والدراما من الترفيه إلى الوعي"؛ لمناقشة العلاقة بين الفتوى والدراما وكيف يمكن للدراما أن تكون أداة لبناء الوعي وتصحيح المفاهيم.

واستضافت الندوة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والفنان القدير طارق الدسوقي، وأدار الندوة الإعلامي حسن الشاذلي، وقد وحضر الندوة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، وحشد من المثقفين والمفكرين والإعلاميين وزوَّار معرض الكتاب.

في مستهل الندوة، أكد الدكتور علي جمعة أن للدراما أثرًا بالغَ الأهمية في توجيه الناس ونقل القضايا الجوهرية التي شغلت الرأي العام، وكان لها السبق في تحريك ودراسة العديد من مشكلات المجتمع، والمساهمة في فهم كيفية التعامل معها، والسير في مسارات تحقق المصلحة العامة والمنفعة والسلام الاجتماعي، موضحًا أن الدراما أثبتت قدرتها على معالجة كثير من الإشكاليات وإثارة قضايا مجتمعية متعددة؛ ما جعلها جزءًا أصيلًا من الخطاب الجماهيري العام والثقافة المؤثرة في الواقع، وفي إدراكه، وهو الإدراك الذي يُعد جزءًا لا يتجزأ من صناعة الفتوى، ومن هنا تتجلى العلاقة بين الفتوى والدراما، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الفتوى والدراما علاقة متشعبة ومركبة، وأن الانجراف في بعض الأعمال الدرامية يعود في جانب منه إلى حالة الانفصال بين أهل الفن وأهل الفتوى، مبينًا أن هناك اختلافًا في النمط الحياتي والعادات بين رجل الدين ورجل الفن؛ فرجل الدين نشأ على نمط معين من المعيشة، يستيقظ فيه مبكرًا لأداء صلاة الفجر، بينما يرتبط العمل المسرحي والدرامي بالسهر حتى منتصف الليل، وهو ما يخلق نفرة واقعية بين الطرفين، بَيْدَ أنَّ القضية ليست صراعًا فكريًّا بقدر ما هي اختلاف بين نمطين متباينين من أنماط الحياة.

وفيما يتعلق بصورة رجل الدين في الدراما، أشار الأستاذ الدكتور علي جمعة إلى أن الأعمال الدرامية قدمت نماذج متعددة لرجل الدين؛ فظهر في بعض الأعمال، مثل أدوار الفنان عبد المنعم إبراهيم، في إطار كوميدي يرسِّخ صورة نمطية عن المشايخ باعتبارهم متقعرين في اللغة دون وعي بالواقع، في حين قُدمت نماذج أخرى أكثر توازنًا، كما في شخصية رجل الدين المثقف الذي يجيد اللغات الأجنبية، والتي جسَّدها الفنان حسين صدقي في فيلم "الشيخ حسن"، وهذا التنوع يندرج تحت إطار ما يُعرف في علم الاجتماع بـ"صناعة الصورة الذهنية".

وتابع فضيلته أن العمل الدرامي لا يصنعه شخص واحد، بل هو نتاج منظومة متكاملة تضم المنتج والسيناريست والمؤلف والمخرج والمصور وغيرهم، ومن ثم لا يمكن تحميل الممثل وحده مسؤولية الصورة المقدَّمة، موضحًا أن النقد الموجه إلى بعض النماذج الساخرة يعود إلى كونها لا تعكس واقعًا موجودًا بالفعل، وهو ما يجعل تناولها متحيزًا، لأنها تحكي عن نموذج غير حقيقي، ومن هنا جاء اللوم على صناعة تلك الصورة السلبية التي لا تَمُتُّ بِصلة إلى الأزهر أو رجاله، مبينًا أن الفنان عليه أن يؤدي أحد مسارين: إما نقل الواقع بهدف نقده وتطويره، أو تقديم صورة لما ينبغي أن يكون عليه الواقع، مشددًا على أنه لا يمكن إصدار حكم واحد مطلق على الدراما، وأن ذكر نماذج فنية متعددة، جاء للتأكيد على أن القضية ليست صراعًا فكريًّا، وإنما مفارقة واقعية.

وتطرق عضو هيئة كبار العلماء إلى بعض المفاهيم الفقهية التي شُوِّهت دراميًّا، موضحًا أن الشريعة الإسلامية تجيز للرجل أن يفوض المرأة في الطلاق، إلا أن كثيرًا من الأفلام المصرية على مدار أكثر من قرن قدَّمت هذا التفويض باعتباره سلبًا لحقِّ الرجل في الطلاق، وهو فهم خاطئ؛ إذ إن التفويض لا يمنع الرجل من ممارسة حقه في إيقاع الطلاق، وإنما يمنح المرأة الحق في استعماله أيضًا، وهو ما يُعد من الخرافات التي رسختها بعض الأعمال الفنية في أذهان الجماهير، مشيرًا إلى عدد من الأخطاء الجسيمة التي وردت في بعض الأعمال الدرامية، سواء عن عمد أو جهل، لما لها من أثر خطير في ترسيخ مفاهيم غير صحيحة، من بينها ترويج عبارة "الدين معاملة" على أنها حديث نبوي، وهي ليست كذلك. واستشهد بما ورد في فيلم “قلبي على ولدي”، حيث نُسبت عبارة "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" إلى القرآن الكريم مسبوقة بقول الممثل: "قال الله تعالى"، رغم أنها ليست آية قرآنية، متسائلًا عن غياب التدقيق لدى القائمين على العمل، كما أشار إلى خطأ آخر تمثل في ذكر عبارة "جعلنا لكل شيء سببًا" على أنها آية قرآنية، بينما النص الصحيح للآية هو: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور علي جمعة أن هناك تطورًا محمودًا في الوقت الراهن، يتمثل في حرص عدد من صنَّاع الدراما على مراجعة أعمالهم لدى المؤسسات الدينية الرسمية قبل عرضها، وهو ما يعد خطوة إيجابية وتقدمًا ملموسًا يسهم في تجنب مثل هذه الأخطاء، وردًّا على تساؤل أحد الحضور حول حكم وجود بعض الممنوعات، مثل شرب الخمور، داخل الأعمال الدرامية، أوضح الدكتور علي جمعة أن أعمال الكاتب إحسان عبد القدوس، على سبيل المثال، كانت تعرض مظاهر الفساد على مدار أحداث العمل، لكنها تنتهي برسالة واضحة تؤكد أن هذا الفساد محرم وغير أخلاقي، مبينًا أن وجود هذه الممنوعات جائز إذا كان لها مبرر وفائدة درامية تؤكد في النهاية أنها سبب للفساد والمشكلات وتنبِّه على ضرورة الابتعاد عنها وعدم الانجراف نحوها، أما إذا خلت من هذه الفائدة فلا تكون جائزة.

واختتم الدكتور علي جمعة الندوة بالتأكيد على أن الأمانة العلمية تقتضي عدم المساس بالأعمال الفنية التراثية، مقترحًا في الوقت ذاته تصحيح الأخطاء الواردة فيها، من خلال عرض تلك الأعمال التي تتضمن أخطاء في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأحكام الشرعية على المؤسسات الدينية ودار الإفتاء المصرية لمراجعتها، ثم التنبيه في تتر الأفلام عند عرضها مرة أخرى بأن دار الإفتاء مثلًا قامت بتصحيح الخطأ المتعلق بآية قرآنية أو حديث نبوي، بما يسهم في الحفاظ على التراث السينمائي والدرامي، وفي الوقت نفسه يمنع استمرار تداول الأخطاء الشرعية بين الجمهور.

من جانبه، أكد الفنان طارق الدسوقي أن للدراما دورًا محوريًّا وخطيرًا في تشكيل وعي المجتمعات، مشيرًا إلى أن المفاهيم التي نشأ عليها جيله حول تحديات الدول النامية، والمتمثلة في «الفقر والجهل والمرض»، تحتاج إلى إعادة نظر، موضحًا أنه اكتشف من خلال تجربته الفنية أن «الجهل» هو الخطر الأكبر، وأن القضاء عليه كفيل بالقضاء على بقية الأزمات.
وأوضح الدسوقي أن الجهل لا يقتصر على شكل واحد، بل تتعدد أنواعه بين الجهل السياسي، والثقافي، والفني، والديني، مؤكدًا أن السبيل الوحيد لمواجهته يتمثل في الثقافة والفن والإعلام والتعليم القائم على الإبداع والابتكار، وليس التعليم القائم على الحفظ والتلقين، باعتبارها الأدوات الأساسية لبناء الإنسان والحفاظ على هويته، مشيرًا إلى أن العمل الدرامي يعد أخطر هذه الوسائل وأكثرها تأثيرًا، نظرًا لأن شعوب العالم تتأثر بالصورة أكثر من القراءة، كما أن الشعوب العربية بطبيعتها عاطفية، تميل إلى الحكاية والسرد وضرب الأمثال؛ ما يجعل الرسالة الدرامية تصل إليهم بسرعة وفاعلية تفوق أي وسيلة أخرى.

وشدد الدسوقي على أن الدراما سلاح شديد الخطورة في بناء الوعي إذا أُحسن استثماره، مؤكدًا ضرورة أن يطرح صُنَّاع أي عمل درامي على أنفسهم تساؤلات أساسية قبل التنفيذ، من بينها: ماذا نريد أن نقول للناس؟ وما الرسالة الظاهرة؟ وما الرسائل التي تمرر بين السطور؟ وعلى ضوء هذه الإجابات يُتخذ قرار تقديم العمل من عدمه، موضحًا أنه لا يوجد ما يسمى «فن للترفيه فقط»، خاصة في ظل ما تواجهه مصر من تحديات وتهديدات متعددة، مؤكدًا أن العمل الدرامي مطالب اليوم بأداء رسالته الوطنية والمجتمعية بوضوح ومسؤولية.

واستعرض الفنان الدسوقي مجموعة من المعايير التي يرى أنها يجب أن تتوافر في العمل الدرامي المؤثر، من بينها أن يغوص في مشكلات الناس الحقيقية ويطرح حلولًا لها، وأن يرتقي بالمستوى الفكري للجمهور، ويُرسِّخ الهُوية الوطنية بما تحمله من لغة وعادات وتقاليد، ويزكِّي روح الانتماء لدى الشباب، وأن يلقي الضوء على الفترات المشرقة في تاريخ مصر الماضي والحاضر، ويبرز نماذج الأئمة والعلماء والشخصيات المشرفة ليكونوا قدوة يحتذى بها، فضلًا عن إعادة إحياء منظومة القيم والأخلاق التي تميز بها المجتمع المصري وبدأت تتراجع خلال الفترات الأخيرة.

وأكد أن الالتزام بهذه المعايير من شأنه أن يجعل العمل الدرامي أكثر تأثيرًا ويحمل رسالة قوية في بناء الوعي، موضحًا أن رجل الدين قد يصل بخطابه إلى المئات، بينما يستطيع عمل درامي واحد أن يصل إلى ملايين المشاهدين، ما يستوجب عدم الاستهانة بخطورة الدراما ودورها في تشكيل الوعي العام، متطرقًا إلى صورة الفنان في المجتمع، مؤكدًا أن كثيرًا من الفنانين والفنانات ملتزمون في حياتهم الشخصية واختياراتهم الفنية بالقيم والعادات والتقاليد، بل قد يكون التزامهم بالشعائر والفرائض أكثر من غيرهم، إلا أن وجودهم الدائم تحت الأضواء يجعل أي تصرف بسيط عرضة للتضخيم، بما قد يؤدي أحيانًا إلى نفور قطاعات من المجتمع منهم، مشيرًا إلى حرصه في جميع أعماله الفنية على وضع معايير صارمة وجادة، والعمل على الالتزام بها حفاظًا على الرسالة الفنية والإنسانية التي يقدمها.

وفيما يتعلق بصورة رجل الدين في الأعمال الفنية، أوضح الدسوقي أنه لا ينكر وجود بعض الأعمال التي قدَّمته بشكل ساخر في فترات سابقة، لكنه أشار إلى أن هذا الاتجاه تراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وأصبح تجسيد هذه الشخصيات يتم بحرص واحترام يليق بمكانتها في المجتمع.

كما أكد الفنان طارق الدسوقي أن مسألة المراجعة تمثل ركيزة أساسية عند تقديم أي عمل درامي، خاصة الأعمال التاريخية والدينية، مشددًا على ضرورة حصول هذه الأعمال على موافقة الأزهر الشريف، ومراجعة كل ورقة داخل العمل، لضمان دقة المحتوى وصحته، موضحًا أن أي مقولة أو آية قرآنية أو حديث نبوي يَرِد ضمن السياق الدرامي يجب التحقق منه بجدية شديدة، سواء من حيث صحة النص أو سلامة النطق، وبدرجة من الدقة لا تحتمل الخطأ، لما للدراما من تأثير بالغ في وعي الجمهور وتشكيل مفاهيمه، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على الشأن الديني فقط، بل يمتد إلى القضايا الطبية والقانونية وغيرها، مؤكدًا أهمية الاستعانة بالمتخصصين من أطباء ومحامين وقضاة، تحريًا للصدق والدقة والحذر فيما يقدم للناس، خاصة أن العمل الدرامي يُعد من أكثر الوسائل تأثيرًا في المتلقي.

وذكر الدسوقي أن الخطأ إذا صدر عن شخص عادي قد يكون محدود الأثر، لكنه يتحول إلى كارثة حين يصدر عن شخصية مؤثرة تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، إذ لا يضر نفسه فقط، بل ينعكس أثره السلبي على الآخرين، معربًا عن حزنه من بعض الشخصيات العامة التي تمتلك أعدادًا كبيرة من المتابعين، لكنها تفتقر إلى الوعي أو تروج لأجندات خاصة أو أفكار متشددة، حتى وإن كانت خاطئة، مؤكدًا أن الدراما في جوهرها صراع بين الخير والشر، إلا أن جوهر الأزمة يكمن في كيفية تقديم هذا الصراع، موضحًا أن المبدع يمتلك أدوات متعددة لمعالجة القضايا الشائكة داخل إطار القيم والعادات والتقاليد، دون إسفاف أو ابتذال، وأن الأعمال التي تخاطب عقل الجمهور وتحترم وعيه هي وحدها القادرة على تحقيق النجاح والاستمرارية، كما هو الحال في الأعمال الكلاسيكية الكبرى.

وخلال إدارته للندوة، أكد الإعلامي حسن الشاذلي، أن الندوة تأتي في إطار الدور المتنامي الذي تقوم به دار الإفتاء المصرية، والذي يتسع عامًا بعد عام، ليس فقط على مستوى الأنشطة، وإنما على مستوى سَعة الصدر واستيعاب مختلف الأسئلة والقضايا المثارة في المجتمع، موضحًا أن ما يجري طرحه خلال الندوة يمثل نقاشًا جادًّا حول العلاقة الشائكة بين الفتوى والدراما، في ظل تعدد المحاور والإشكاليات المرتبطة بهذه العلاقة، وعلى رأسها كيفية تقديم الخطاب الديني بروح خفيفة دون إخلال بالهيبة أو تشويه للمعنى.

وتساءل الشاذلي عن أسباب اتهام الدراما في كثير من الأحيان بتقديم رجل الدين في صورة كاريكاتيرية، وتحويل الفتوى إلى مادة للسخرية، دون تمييز بين النقد الواعي والاستهانة المرفوضة، مشيرًا إلى أن بعض الأعمال الفنية الكبرى قدمت نماذج جادة ومؤثرة لشخصيات دينية تركت أثرًا عميقًا في وعي الجمهور، وضرب مثالًا بعدد من الأعمال التي نجحت في رسم صورة إيجابية وعميقة لشخصيات دينية وتاريخية، موضحًا أن هذه النماذج أثبتت قدرة الدراما على تقديم الخطاب الديني بوقار واحترام.

هذا، وتأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناح خاص في المعرض؛ تأكيدًا لدَورها المؤسسي في الإسهام ببناء الوعي الرشيد، وترسيخ القيم الدينية والفكرية القادرة على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة، من خلال تقديم خطاب علمي منضبط، ومحتوى معرفي يوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الواقع، ويستهدف مختلف الفئات العمرية، بما يعزز قدرتهم على الفهم والتمييز، ويُسهم في حماية الوعي المجتمعي من التضليل والتشويه.

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

 ندوة بجناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب

أخبار مصر أخبار اليوم خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة