خط أحمر
الأربعاء، 24 يونيو 2026 04:14 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

د. هبة عادل تكتب: حين يُهان الطبيب.. لا يسقط فرد بل يهتز ضمير وطن بأكمله

خط أحمر

في اللحظة التي يتحول فيها الطبيب من صاحب رسالة إنسانية سامية إلى ضحية اعتداء داخل مؤسسة وُجدت أساسًا لحماية الإنسان وصون حياته، يصبح من الضروري أن نتوقف أمام سؤال أكثر خطورة من الواقعة ذاتها: ماذا يحدث حين يبدأ المجتمع تدريجيًا في فقدان احترامه لمن يحملون مسؤولية إنقاذه؟

إن ما نشهده بين الحين والآخر من وقائع اعتداء لفظي أو جسدي على الأطباء وأعضاء الفرق الطبية أثناء تأدية واجبهم المهني، لم يعد مجرد أحداث فردية يمكن التعامل معها باعتبارها مواقف عابرة فرضتها لحظة غضب أو سوء تفاهم، بل باتت تلك المشاهد تعكس ظاهرة أكثر عمقًا ترتبط بتحولات مقلقة أصابت الوعي المجتمعي، وخلقت حالة من التراجع التدريجي في منظومة القيم التي لطالما شكلت أساس العلاقة الطبيعية بين الإنسان ومن يكرس حياته لخدمته وحمايته.

فالطبيب، في جوهر رسالته، لا يمثل مجرد موظف يؤدي خدمة وينصرف بانتهاء ساعات العمل، بل يمثل قيمة إنسانية وعلمية استثنائية، لأنه الشخص الذي يتحمل يوميًا مسؤولية التعامل مع الألم البشري في أكثر لحظاته قسوة، ويتخذ قرارات دقيقة ترتبط بشكل مباشر بحياة الإنسان وسلامته، ويعمل تحت ضغوط نفسية ومهنية لا يدرك حقيقتها إلا من عاش طبيعة هذه المهنة الشاقة التي لا تعرف رفاهية الخطأ ولا تمنح أصحابها مساحة حقيقية للهروب من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

والمثير للقلق أن البعض بات يتعامل مع الطبيب باعتباره طرفًا يمكن تحميله نتائج الخوف أو الألم أو التوتر الذي يصاحب المرض، متناسين أن من يرتدي المعطف الأبيض لا يقف في مواجهة المريض، بل يقف في مواجهة المرض ذاته، مسخرًا علمه وجهده ووقته في محاولة إنقاذ حياة إنسان ربما لم يلتق به يومًا من قبل، لكنه اختار أن يحمل مسؤولية الدفاع عنه في واحدة من أنبل صور العطاء الإنساني التي عرفتها المجتمعات عبر التاريخ.

إن القضية هنا لا تتعلق فقط بحماية الأطباء باعتبارهم فئة مهنية تستحق الاحترام، بل تتجاوز ذلك إلى قضية أكثر شمولًا ترتبط بفكرة احترام مؤسسات الدولة ذاتها، لأن الاعتداء داخل منشأة صحية لا يمثل إساءة إلى شخص بعينه بقدر ما يعكس خللًا في إدراك معنى المؤسسة العامة وحدود العلاقة التي يجب أن تحكم المواطن بالدولة. فالمستشفى ليس ساحة لتفريغ الغضب، والطبيب ليس خصمًا شخصيًا، والمرفق الصحي يجب أن يظل مساحة محكومة بالقانون والانضباط والوعي الجمعي الذي يضع قيمة الإنسان فوق أي انفعال مؤقت.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن المريض يمتلك كامل الحق في الحصول على خدمة صحية تليق بكرامته الإنسانية، كما أن من حقه الاعتراض وتقديم الشكاوى والمطالبة بالمحاسبة إذا وقع تقصير، فالدولة الحديثة لا تقوم إلا على ضمان الحقوق وتحقيق العدالة، لكن ما يجب أن يبقى ثابتًا هو أن المطالبة بالحق لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للإهانة أو الاعتداء، لأن المجتمعات التي تحترم نفسها تعرف جيدًا أن القانون وحده هو الفيصل، وأن الانفعال لا يصنع عدالة، كما أن الفوضى لا يمكن أن تكون وسيلة للوصول إلى الحقوق.

والحقيقة التي يجب أن نتوقف أمامها بوعي كامل أن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية أو التحديات الخارجية، بل قد يبدأ الانهيار الحقيقي بصمت عندما تتراجع قيمة احترام العلم، وتتآكل مكانة أصحاب الرسالة، ويصبح الاعتداء على من يحمون حياة الناس أمرًا قابلًا للتكرار دون إدراك لحجم ما يحمله ذلك من آثار نفسية ومهنية وإنسانية خطيرة على مستقبل واحدة من أهم المهن التي يقوم عليها استقرار المجتمع ذاته.

إن الدفاع عن كرامة الطبيب لا يعني أبدًا الانحياز ضد المريض، كما أن حماية الأطقم الطبية لا تتعارض بأي شكل مع حق المواطن في المحاسبة والشكوى، لأن العلاقة بين الطبيب والمريض لم تكن يومًا علاقة صراع، بل علاقة إنسانية متكاملة أساسها الثقة والاحترام والإدراك المشترك بأن الحفاظ على حياة الإنسان مسؤولية مقدسة لا يجب أن تتحول تحت أي ظرف إلى مساحة للتجاوز أو الإهانة أو كسر الكرامة الإنسانية لأي طرف من الأطراف.

فالأمم العظيمة لا تُعرف فقط بما تبنيه من مستشفيات حديثة أو بما تمتلكه من أجهزة وتقنيات متطورة، بل تُعرف أولًا بمدى احترامها لمن يسهرون يوميًا على حماية حياة الإنسان، لأن الدولة التي تعجز عن حماية أصحاب الرسائل النبيلة داخل مؤسساتها، تفتح الباب تدريجيًا أمام خطر أخطر من المرض نفسه، وهو تراجع قيمة الإنسان داخل الضمير الجمعي للمجتمع.

ولهذا يبقى اليقين راسخًا؛ أن المجتمع الذي يسمح بإهانة من يحمون حياته، لا يفقد احترامه للطبيب وحده، بل يبدأ تدريجيًا في فقدان احترامه لنفسه، لأن كرامة الطبيب ليست امتيازًا شخصيًا، بل انعكاس حقيقي لمدى حضارة المجتمع، وحين يُهان الطبيب… لا يسقط فرد واحد فقط، بل يهتز ضمير وطن بأكمله.

حين يُهان الطبيب  لا يسقط فرد بل يهتز ضمير وطن بأكمله هبة عادل خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة