خارجي

صور من الفضاء ترصد دمارًا واسعًا في غزة وتغير ملامح مدنها

خط أحمر

كشفت صور أقمار صناعية، رصدتها وكالة أنباء "أسوشيتيد برس" الأمريكية اليوم الأربعاء، عن حجم غير مسبوق للدمار الذي لحق بقطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي على مدى السنوات الثلاث الماضية، إذ تظهر مدن وأحياء كاملة قد تحولت إلى أنقاض، فيما اختفت معالم مناطق كانت تعج بالسكان والحياة، وعلى رأسها مدينة رفح جنوب القطاع التي كانت تؤوي نحو ربع مليون نسمة.

وأظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية أن القوات الإسرائيلية دمرت بصورة منهجية مساحات واسعة من رفح وغيرها من البلدات والأحياء، فيما جرى في بعض المناطق تجريف الأنقاض وإزالة ما تبقى من المباني، في عمليات هدم استخدمت فيها الجرافات والمتفجرات واستمرت حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس حيز التنفيذ قبل نحو عام.

ووفق الصور، تسيطر القوات الإسرائيلية حاليًا على نحو 60 بالمائة من مساحة القطاع، بينما تتركز غالبية سكان غزة، البالغ عددهم نحو مليوني فلسطيني، في نحو 40 بالمائة فقط من مساحة القطاع المحاصر، بعدما أجبر القتال وأوامر الإخلاء الإسرائيلية معظم السكان على النزوح مرات عديدة.

وهكذا تحولت غزة إلى مساحة مكتظة بمخيمات النزوح، بعدما فقدت أعداد هائلة من الأسر منازلها، ولم يعد أمام كثير من الفلسطينيين سوى الاحتماء بخيام بدائية تنتشر على الشواطئ والأراضي الزراعية السابقة والقطع الخالية، في مشهد يلخص حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب.

ورغم توقف العمليات البرية واسعة النطاق والقصف الأعنف بموجب وقف إطلاق النار، فإن الضربات الإسرائيلية- حسبما ذكرت الوكالة الأمريكية في تقرير لها حول هذا الأمر- لا تزال تستهدف خيامًا وسيارات ومباني بصورة شبه يومية، بينما تقول إسرائيل إن ضرباتها تستهدف عناصر من حركة حماس، إلا أن هذه الهجمات تسفر بصورة متكررة عن سقوط نساء وأطفال وأفراد آخرين من الأسر.

في الوقت نفسه، يواجه سكان القطاع صعوبة بالغة في إعادة بناء ما دمرته الحرب، في ظل القيود الإسرائيلية على دخول معظم مواد البناء إلى غزة، بينما لا تزال خطة إعادة الإعمار واسعة النطاق متعثرة بسبب عدم توصل إسرائيل وحماس إلى اتفاق بشأن نزع سلاح الحركة.

وسردت "أسوشيتيد برس" قصة مأساة مواطنة تدعى نجوى أبو عيطة، من مخيم النصيرات وسط القطاع، والتي أكدت أنها تكشف بالفعل جانبًا من الثمن الإنساني للحرب؛ حيث فقدت نجوى ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات في غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في سبتمبر 2024، كما أصيب أطفالها الثلاثة الآخرون، بينما فقدت هي إحدى عينيها وأصيبت بجروح وتشوهات بالغة في وجهها ومشكلات في التنفس.

وكانت أبو عيطة تعمل مصففة للشعر قبل الحرب، أما الآن فتعيش في خيمة بجوار أنقاض منزلها بلا عمل، وتقول إن أصعب ما تواجهه هو خوف أطفالها من النظر إلى وجهها بعد إصابتها..وتروي أن ابنها البالغ من العمر أربع سنوات قال لها:" أمي، سأعطيك إحدى عينيّ"، في كلمات تختصر حجم الألم الذي تركته الحرب داخل الأسر الفلسطينية، حيث لم يقتصر الدمار على المنازل والمباني، بل امتد إلى حياة الأطفال وذاكرة العائلات ومستقبل جيل كامل.

وتظهر صور الأقمار الصناعية أن الغالبية العظمى من المباني الواقعة في المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية في غزة جرى تجريفها أو تفجيرها وتحويلها إلى أكوام من الركام، بما في ذلك مناطق شهدت عمليات هدم بعد انتهاء أعنف مراحل القتال بنحو عام.

وتقول القوات الإسرائيلية إن عمليات هدم المباني تهدف إلى منع استخدامها من جانب مقاتلي حماس أو تدمير شبكات الأنفاق التابعة للحركة، بينما حذر خبير أممي في تقرير صدر في فبراير الماضي من أن حجم تدمير المساكن والبنية التحتية المدنية في غزة "غير مسبوق حتى وفق المعايير الرهيبة للحروب الحديثة منذ القرن العشرين".

وأشار التقرير الأممي إلى أن حجم الدمار قد يرقى، وفق الظروف والوقائع التي يجري تقييمها، إلى جرائم ضد الإنسانية أو إلى مستوى الإبادة الجماعية، بينما ترفض إسرائيل اتهامات الإبادة الجماعية، وتؤكد أنها تستهدف عناصر حماس والبنية التحتية التابعة لها الموجودة داخل المناطق المدنية.

وفي مؤشر آخر على تغير المشهد العمراني والعسكري للقطاع، أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود ما لا يقل عن 50 موقعًا عسكريًا إسرائيليًا داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة، بينها 18 موقعًا على الأقل أنشئت منذ بدء وقف إطلاق النار، وأقيم عدد منها فوق أحياء سكنية سابقة جرى تدميرها وتسوية أنقاضها.

وفي رفح، التي تعرضت معظم مناطقها للدمار قبل وقف إطلاق النار، تواصل القوات الإسرائيلية هدم ما تبقى من مبانٍ، بينما نجت بعض منشآت الأمم المتحدة وملاعب رياضية من التجريف، وإن كان أحد الملاعب البلدية يبدو الآن وكأنه تحول إلى موقع عسكري.

أما بلدة بني سهيلا جنوب القطاع، فقد اختفت ملامحها تقريبًا؛ إذ أقيم موقع عسكري جديد فوق ما كان يمثل تقاطعها الرئيسي، وتحولت البلدة خلال العام الماضي إلى أرض قاحلة تتخللها شبكة من الطرق الترابية التي كانت في السابق شوارع تعج بالحركة والسكان.

وبينما ترصد صور الأقمار الصناعية اختفاء المباني والطرق والأحياء، يبقى خلف كل منزل مهدوم أسرة فقدت مأواها، وخلف كل شارع اختفى من الخريطة حياة كانت تسير فيه، وخلف كل مدينة تحولت إلى ركام آلاف القصص الإنسانية التي لا يمكن لصور الأقمار الصناعية وحدها أن تنقل حجمها. فغزة التي تظهر من الفضاء كمساحات واسعة من الركام ليست مجرد خريطة للدمار، وإنما أرض يعيش فيها ملايين الفلسطينيين آثار حرب امتدت لسنوات، بعدما فقد كثير منهم منازلهم وأقاربهم ومصادر رزقهم، وأصبحوا يبحثون عن الأمان في خيام مؤقتة فوق أرض لم تعد تشبه المدن التي عرفوها قبل الحرب.

أسوشيتيد برس الفضاء غزة خط أحمر ⇧
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة