الكاتب البريطاني نيفيل تيلر في صحيفة الجيروزاليم بوست: محمد دحلان الرجل الذي قد يسهم في إعادة رسم مستقبل غزة بعد حماس


محمد دحلان أحد الأسماء التي تستحق المتابعة في الانتخابات المقبلة المقررة في 28 تشرين الثاني، والتي أعلن عنها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ففي 9 تموز، أعلن عباس إجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة.
وكانت حماس قد فازت في آخر انتخابات، أُجريت عام 2006، وأعقبها صراع عنيف على السلطة مع فتح، انتهى بسيطرة حماس على غزة عام 2007.
ومنذ ذلك الحين، حالت شعبية حماس المستمرة بين الفلسطينيين دون إجراء عباس انتخابات، خشية خسارته السلطة.
ولعل خطة ترامب للسلام في غزة، التي يتولى «مجلس السلام» تنفيذها حالياً وتلتزم بتجريد حماس من السلطة، شجّعت عباس على محاولة استعادة شيء من المصداقية الديمقراطية بالموافقة على انتخابات جديدة.
وفي كل الأحوال، أعاد الإعلان محمد دحلان إلى واجهة الساحة السياسية الفلسطينية.
حماس تحظى بأصوات الفلسطينيين
وُلد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين بقطاع غزة عام 1961. وانضم إلى حركة الشبيبة الفتحاوية في سن المراهقة، واعتقلته إسرائيل مراراً.
وعقب اتفاقات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، عُيّن رئيساً لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة. وبلغ نفوذه حداً أُطلق معه على قطاع غزة لقب «دحلانستان».
ثم انهارت العلاقة بينه وبين عباس، وسط مخاوف متزايدة في معسكر عباس من أن الولايات المتحدة كانت تعدّ دحلان لخلافته.
وفُصل دحلان من فتح عام 2011 على خلفية اتهامات بالفساد والضلوع في مخطط لاغتيال ياسر عرفات، وهي اتهامات نفاها.
وانتقل إلى المنفى في الإمارات العربية المتحدة، حيث أصبح مستشاراً لمحمد بن زايد آل نهيان، الرئيس الحالي للإمارات.
وبإقصاء دحلان عن السياسة الفلسطينية، أسهم عباس، من دون قصد، في منحه دوراً سياسياً إقليمياً لم يعد يعتمد فيه على السلطة الفلسطينية.
وخلال العقد التالي، وسّع دحلان شبكة علاقاته الإقليمية وأصبح شخصية مؤثرة في العمل السياسي لأبوظبي. كما أقام علاقات في مصر وغيرها، وحافظ على صلات بشخصيات أمنية إسرائيلية.
وأثناء إقامته في المنفى بالإمارات، أسّس دحلان في غزة تنظيماً سياسياً باسم «تيار الإصلاح الديمقراطي».
وعمل التيار بجدّ للتوصل إلى تحالف مشترك مع حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وأُعلن في 1 تشرين الأول عن ائتلاف انتخابي. وتقول مصادر فلسطينية إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قد تنضمان إليه أيضاً.
يسعى دحلان إلى العودة السياسية عبر غزة، ولا يسعى إلى حكمها شخصياً. ويبدو أنه يحاول إقامة جسر، عبر شبكة المنشقين عن فتح المدعومة إماراتياً والمرتبطة به، يجمع حماس ومنشقين آخرين عن فتح ومصر والإمارات ومسار السلام في غزة الذي تقوده الولايات المتحدة.
وقد طرح ما يمكن اعتباره صيغة سياسية لتجاوز الانقسام الفلسطيني، داعياً إلى «شراكة وطنية» عوضاً عن التنافس على السيطرة على السلطة الفلسطينية.
محمد دحلان، القيادي الفتحاوي، يتطلع إلى السيطرة على الضفة الغربية عبر غزة
تشمل هذه الصيغة انتخابات لتحديد التمثيل السياسي وتولّي المناصب، إلى جانب دستور جديد أو «عقد اجتماعي وطني» يؤكد الشرعية الشعبية والتداول السلمي للسلطة.
وتتسم مقترحاته باتساع مقصود في نطاقها. فهي تمنح حماس دوراً في صنع القرار الوطني الفلسطيني، وتتيح لقيادة فلسطينية مقبلة خطاباً يقوم على الوحدة، وتقدّم للإمارات ومصر والولايات المتحدة شخصية فلسطينية ذات جذور غزّية تستطيع التحدث مع جميع الأطراف المعنية، بما فيها إسرائيل والجهات الخارجية الراعية.
ولم يؤيد حلفاؤه الانتخابيون خطة دحلان حتى الآن، لكنهم لم يتبرؤوا منها أيضاً. وتضعه مشاركته في قلب المشهد السياسي الفلسطيني، وقد أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى العودة إلى القيادة السياسية الفلسطينية.
وفوق ذلك، يبدو أن دحلان اضطلع بدور الوسيط، وهو موقع لم يكن بوسعه أن يطمح إليه قبل 10 سنوات. وتبدو لديه اليوم قنوات اتصال مع حماس وفصائل فلسطينية أخرى، وكذلك مع الإمارات ومصر وواشنطن وأطراف في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وسيدرك أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد تُنهي الترتيبات الإدارية الانتقالية في غزة التي يشرف عليها مجلس السلام.
وتتصور خطة السلام في غزة، التي أقرّها مجلس الأمن الدولي، مرور القطاع بترتيبات مؤقتة تحظى بدعم دولي.
وأُنشئ مجلس السلام للإشراف على تلك المرحلة الانتقالية، فيما أُنشئت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» هيئةً فلسطينية من التكنوقراط، ذات طابع غير سياسي صراحةً، لتسيير الشؤون المدنية في القطاع. ومن المقرر أن تواصل عملها إلى أن تُكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي.
وبذلك، تتمثل الغاية النهائية في إعادة تشكيل الحكم الفلسطيني، وصولاً إلى إعادة توحيد غزة سياسياً مع الضفة الغربية، بدلاً من استمرار إدارة دولية للقطاع.
ولم يعلن أحد رسمياً حتى الآن أن انتخابات تشرين الثاني هي الآلية التي سيسلّم بها مجلس السلام غزة إلى حكومتها المقبلة.
لكن اتصالات دحلان الأخيرة مع حماس، ومشاركته في النقاشات بشأن إعادة إعمار غزة، تبدوان منسجمتين إلى حدّ لافت مع البحث عن حل لهذه المسألة السياسية.
ومن السيناريوهات الممكنة مشاركة الفلسطينيين في انتخابات وطنية تنبثق عنها حكومة فلسطينية خضعت لإصلاحات جوهرية، وإعادة جمع غزة والضفة الغربية تحت سلطة سياسية فلسطينية واحدة.
وقد تصبح الانتخابات، بذلك، الآلية التي يُستبدل من خلالها النظام السياسي الفلسطيني القديم، من دون أن يختار مجلس السلام نفسه من يخلفه.
فأي حكومة فلسطينية تتولى السلطة في غزة بتعيين أمريكي أو عربي ستكون عرضة للاتهام بأنها إدارة مفروضة من الخارج. أما حكومة تنبثق عن مجلس تشريعي فلسطيني منتخب، فستتمتع بأساس أقوى بكثير للشرعية.
وإذا نجح دحلان في جمع حماس وتيار الإصلاح الديمقراطي والمنشقين عن فتح وتيارات فلسطينية أخرى ضمن صيغة سياسية قابلة للعمل، فسيغدو حتماً شخصية محورية في مستقبل غزة السياسي.
أما المسألة الأوسع، فهي مدى قدرة دحلان على إقامة جسر يصل بين خروج حماس من الحكم، وإعادة الإعمار بدعم دولي، والانتخابات الفلسطينية، وإصلاح السلطة الفلسطينية.
وإذا أمكن إقامة هذا الجسر، فقد ينتهي دور مجلس السلام كإدارة دولية مفروضة على أرض مدمّرة، ويصبح إطاراً مؤقتاً لإقامة نظام سياسي فلسطيني جديد.
وعليه، قد يتجاوز دور دحلان إعادة إعمار غزة، ليكون محورياً في إتاحة مستقبل قابل للاستمرار فعلاً ويحمل الأمل لقطاع غزة.



























