مقالات

إبراهيم نصر يكتب: الحكمة المصرية فى ”فقه الصمود”

خط أحمر

يمر شرقنا الأوسط بلحظة تاريخية فارقة، تتشابك فيها الخطوط الجيوسياسية مع الأبعاد العقائدية والإنسانية، لترسم مشهداً لا يمكن قراءته بمعزل عن فقه "السنن الربانية" و"الضرورات الواقعية". وفي ظل هذا الصراع المحتدم والتحولات العنيفة التي تعصف بكيانات الدول، تبرز الحاجة الملحة لخطاب يجمع بين استنهاض قيم الصمود الإيماني وبين الحكمة البالغة في إدارة الأزمات. وهي الحكمة التي تتجلى بوضوح في الموقف المصري المتزن الذي ينطلق من ثوابت راسخة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، تضع حماية الأوطان وحقن الدماء فوق كل اعتبار.
إن الإدارة المصرية للأزمات المتلاحقة في المنطقة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، قدمت نموذجا فريدا فيما يمكن تسميته بـ "فقه الضرورة والقدرة". حيث تمكنت الدولة المصرية من الحفاظ على توازن دقيق ومدهش بين مسارات معقدة ومتناقضة، فمن جهة، تمسكت بالحقوق التاريخية والمشروعة للأمة - وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تعتبرها مصر قضيتها المركزية - ومن جهة أخرى، أظهرت حكمة بالغة في عدم الانزلاق إلى صراعات عشوائية غير محسومة العواقب قد تلتهم مقدرات الشعوب وتدمر البنى التحتية للدول. إنها الحكمة التي تدرك يقينا أن القوة الحقيقية لا تكمن في الشعارات الحماسية أو العواطف الجياشة، بل في القدرة على ضبط النفس، وإدارة خيوط التفاوض بصبر واقتدار، وتغليب الحلول السياسية التي تصون الإنسان قبل البنيان. وهذا النهج هو جوهر المقاصد الشرعية التي تؤكد أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
إن المنظور الديني والسياسي الرشيد يرى في الصمود اليوم "فعلا مؤسسيا" منظما تقوده الدولة الوطنية القوية؛ فالمنطقة التي تتقاذفها أمواج الفوضى والمليشيات لا ينقذها إلا التماسك خلف قيادة وطنية تدرك أبعاد الأمن القومي وتعمل على تعزيزه من الداخل أولاً. وقد أثبتت التجربة المصرية أن بناء "القوة الرادعة" الشاملة -عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً- مع ممارسة "الدبلوماسية العاقلة"، هو الطريق الوحيد لفرض التهدئة وحماية الحدود من محاولات الاختراق أو تصفية القضايا على حساب الجوار. إن هذا الاتزان المصري ليس مجرد موقف سياسي عابر تفرضه الظروف، بل هو استراتيجية وجودية تهدف إلى منع انهيار المنطقة ككل، وتحويل ساحات الصراع إلى مساحات للحوار والبحث عن العدالة المفقودة.
إن السياسة من منظور ديني هي "فعل ما يصلح به العباد"، وهذا يتطلب اليوم إعلاء قيمة "الدولة الوطنية" كقدس أقداس العمل السياسي، فهي الدرع الوحيد في وجه مخططات التفتيت والتقسيم التي تستهدف المنطقة. ومن هنا، يصبح الالتفاف الشعبي حول هذا الموقف المصري المتزن واجبا وطنيا وضرورة شرعية لمواجهة التحديات الكونية. فمصر، بمكانتها التاريخية وثقلها الروحي والاستراتيجي، تظل هي حجر الزاوية الذي يمنع سقوط البناء الإقليمي، مستندة في ذلك إلى وعي شعبها الأبي ويقظة مؤسساتها العريقة وبصيرة قيادتها التي تضع أمن المواطن واستقرار الأرض كأولوية قصوى لا تقبل المساومة.
إن الصمود الذي تنشده الأمة اليوم هو الصمود المبني على "الوعي الشامل" والعمل الدؤوب، والالتفاف حول القيادة التي أثبتت قدرتها على العبور بالوطن وسط الأنواء العاتية والبحار الهائجة. إننا نؤمن يقينا بأن الحكمة هي "ضالة المؤمن" وأنه "من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً"، وبها نستطيع استعادة التوازن لمنطقتنا المجهدة، ليبقى الشرق الأوسط مهدا للسلام والاستقرار، محصنا بيقين رجاله وقوة مؤسساته وبصيرة قيادته، لتظل مصر دائماً هي المنار الذي يهتدي به الجميع في دروب الأزمات المظلمة.
[email protected]

إبراهيم نصر الحكمة المصرية فى فقه الصمود خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة