اللواء أحمد زغلول يكتب: يوم الأيادي المصرية.. من تجربة رواندا إلى مشروع وطني لإحياء روح المشاركة المجتمعية في مصر


في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية لم يعد كافياً أن تعتمد الدول على الحكومات وحدها في تحقيق التنمية بل أصبحت قوة الأمم الحقيقية تُقاس بقدرتها على تحويل المواطن من متلقى للخدمة إلى شريك أصيل في صناعة المستقبل ولعل واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إلهاماً في هذا المجال هي تجربة *دولة رواندا* التي استطاعت أن تنتقل من واحدة من أكثر بقاع العالم ألماً وانقساماً بعد أحداث الإبادة الجماعية عام 1994 إلى نموذج أفريقي وعالمي يُحتذى به في إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً ومن أهم أسرار هذه التجربة ما يعرف في رواندا باسم *(أوموجاندا – Umuganda)*
وهي كلمة في اللغة الرواندية تعنى *العمل الجماعي من أجل المصلحة العامه*
ويُخصص لهذا اليوم السبت الأخير من كل
شهر حيث يشارك فيه الجميع دون استثناء رئيس الدولة والوزراء والقيادات التنفيذية ورجال الأعمال والشباب والنساء والطلاب والعمال وسائر فئات المجتمع .
في هذا اليوم تتوقف مظاهر الفوارق الاجتماعية ويخرج الجميع إلى الشوارع والقرى والأحياء للعمل بأيديهم في خدمة المجتمع كالتالى :
*( تنظيف الطرق وزراعة الأشجار وصيانة المدارس وترميم المنازل البسيطة وتحسين البيئة ودعم الخدمات العامة ومساعدة الفئات الأكثر احتياجاً ).*
ولم يكن *أوموجاندا* مجرد فعالية رمزية بل أصبح فلسفة وطنية أعادت تشكيل وعي المجتمع الرواندي ورسخت قيم *( الانتماء والمسؤولية والمشتركة واحترام العمل والإيمان بأن الوطن مسؤولية الجميع ).*
واليوم وبعد سنوات من تطبيق التجربة أصبحت رواندا واحدة من أنظف وأكثر الدول الأفريقية تنظيماً واستقراراً ليس فقط بسبب القوانين بل لأن الشعب نفسه أصبح شريكاً في حماية وطنه وبنائه .
*لماذا تحتاج مصر اليوم إلى (يوم الأيادي المصرية)*
إن مصر تمتلك كل المقومات التي تجعلها قادرة على تنفيذ تجربة وطنية أكثر تأثيراً واتساعاً من التجربة الرواندية :
١- شعب ضخم يملك طاقات هائلة .
٢- تاريخ طويل من التكافل والعمل الأهلي .
٣- مجتمع مدني واسع الانتشار .
٤- جامعات ومراكز شباب ونقابات ومؤسسات دينية وثقافية .
٥- شركات وطنية كبرى ورجال أعمال قادرون على الدعم الحقيقي .
٦- شباب متحمس يبحث عن دور إيجابي وانتماء حقيقي .
لكن هذه الطاقات ما زالت في كثير من الأحيان تعمل بصورة متفرقة وتفتقد إلى مشروع وطني جامع يوحد الجهود ويحول المشاركة المجتمعية إلى ثقافة مستمرة وليست مبادرات موسمية .
ومن هنا تنطلق فكرة *يوم الأيادي المصرية*
ليكون يوماً وطنياً شهرياً للعمل المجتمعي والخدمة العامة تشارك فيه كل فئات المجتمع بصورة منظمة ومستمرة بحيث يتحول العمل التطوعي إلى سلوك حضاري يعيد إحياء روح الانتماء والمسؤولية الجماعية .
لماذا تم اختيار اسم *يوم الأيادي المصرية؟*
لأن الاسم يحمل دلالات عميقة وبسيطة في الوقت ذاته :
١- يعبر عن العمل الحقيقي لا الشعارات .
٢- يؤكد أن بناء الوطن يتم بالأيدي المتعاونة .
٣- اسم جامع لا يرتبط بطبقة أو تيار أو فئة .
٤- يحمل روحاً وطنية إيجابية قادرة على الوصول إلى الناس بسهولة .
إن *الأيادي المصرية* هي التي بنت الحضارة وشيدت السدود وحمت الوطن وهي القادرة اليوم على إعادة بناء روح المجتمع .
*المبادرة يجب أن تبدأ من المجتمع نفسه*
لكي تنجح الفكرة وتكتسب ثقة الناس ينبغي أن تنطلق بصورة مجتمعية واسعة لا باعتبارها مشروعاً مغلقاً أو تابعاً لجهة بعينها بل باعتبارها دعوة وطنية مفتوحة لكل من يؤمن بفكرة المشاركة والبناء .
ومن هنا يمكن أن يتبنى المشروع بصورة مباشرة ( المثقفون والمفكرون ورجال الأعمال والشباب والجامعات والمدارس ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية والشخصيات العامة والفنانين والإعلاميين ورواد العمل التطوعي والخيري .
فكل تجربة وطنية كبرى تبدأ دائماً من مجموعة مؤمنة بالفكرة ثم تتحول بالتدريج إلى ثقافة عامة يتبناها المجتمع بأكمله .
*الأهداف الرئيسية ليوم الأيادي المصرية*
لا يجب أن يكون الهدف مجرد تنظيم يوم للنظافة أو العمل التطوعي التقليدى بل يجب أن يتحول المشروع إلى أداة لإعادة بناء الوعي المجتمعي ولذلك تتمثل أهدافه في الاتى :-
*١- تعزيز الانتماء الوطني*
حين يعمل المواطن بيده من أجل مجتمعه يشعر بأنه شريك حقيقي في الوطن .
*٢- إعادة الاعتبار لقيمة العمل الجماعي*
وهي قيمة تراجعت في كثير من المجتمعات الحديثة لصالح الفردية والعزلة .
*٣- تحسين البيئة والخدمات العامة*
من خلال جهود شعبية منظمة بالتعاون مع الجهات التنفيذية .
*٤- خلق شراكة حقيقية بين المجتمع والدولة*
بدلاً من العلاقة التقليدية القائمة فقط على المطالب والانتظار .
*٥- توجيه طاقات الشباب نحو البناء*
بدلاً من الإحباط أو الانسحاب الاجتماعي .
*٦- نشر ثقافة التطوع المستدام*
بحيث يصبح التطوع جزءاً من الحياة الطبيعية للمواطن .
*خطوات تنفيذية عملية قابلة للتطبيق*
حتى يتحول المشروع من فكرة إلى واقع لابد من خطة واضحة ومحددة زمنياً .
*المرحلة الأولى : التأسيس المجتمعي*
*١- تشكيل لجنة وطنية تطوعية للمبادرة تضم الاتى *:
*( شخصيات عامة ومتخصصين في التنمية والإدارة وشباب متطوعين وممثلين عن الجامعات وإعلاميين ومثقفين ورجال أعمال داعمين للفكرة ).* وتكون مهمتها :
*( إعداد الرؤية العامة ووضع آليات التنفيذ والتنسيق بين الجهات المختلفة وإدارة الحملات المجتمعية والإعلامية )*.
*٢- إطلاق وثيقة يوم الأيادي المصري وتتضمن :*
*( أهداف المبادرة ومبادئ العمل وقواعد المشاركة والتأكيد على الطابع الوطني والخدمي غير السياسي للمشروع )*.
*٣- تحديد موعد ثابت شهرياً*
على غرار تجربة رواندا بحيث يكون *( السبت الأخير من كل شهر )*
حتى يرتبط الموعد ذهنياً بالمجتمع ويصبح عادة وطنية ثابتة .
*المرحلة الثانية : التنفيذ الميداني*
*١- البدء بمناطق محددة كنموذج أولي مثل ( حي – قرية – جامعة – أو مركز شباب )*.
وذلك لضمان جودة التنفيذ وإمكانية قياس النتائج .
*٢- تحديد أنشطة واضحة ومباشرة ومن أهم الأنشطة المقترحة :*
*( أعمال التجميل والنظافة وتنظيف الشوارع ودهان الأرصفة وزراعة الأشجار وإزالة المخلفات ودعم المؤسسات العامة وصيانة بسيطة للمدارس وتجميل مراكز الشباب وتطوير الحدائق العامة والعمل الإنساني والاجتماعي ومساعدة كبار السن ودعم الأسر الأكثر احتياجاً وتنظيم حملات صحية وتعليمية والمبادرات البيئية وحملات إعادة التدوير وتقليل استخدام البلاستيك ونشر الوعي البيئي .)*
*كيف نُحفّز المجتمع للمشاركة؟*
نجاح المشروع يعتمد على تحويله من تكليف إلى قيمة مجتمعية يشعر الناس بالفخر تجاهها ويتحقق ذلك عبر الاتى :
*١- الجامعات والمدارس من خلال :*
* اعتماد ساعات تطوع رسمية للطلاب .
* تنظيم مسابقات للمشاركة المجتمعية .
* تكريم النماذج المتميزة .
*٢- رجال الأعمال والشركات ويكون دورهم :*
* تمويل الأنشطة.
* توفير المعدات.
* دعم المبادرات الشبابية.
* رعاية الحملات المجتمعية.
مع منحهم تغطية إعلامية إيجابية باعتبارهم شركاء في التنمية المجتمعية .
*٣- المثقفون والإعلاميون*
لأن نجاح أي مشروع جماهيري يحتاج إلى خطاب ثقافي وإعلامي ملهم يربط الناس بالفكرة وجدانياً .
*٤- وسائل التواصل الاجتماعي عبر :*
* نشر قصص النجاح .
* صور قبل وبعد وفيديوهات قصيرة مؤثرة .
* توثيق جهود المشاركين بصورة مستمرة .
*التحديات المتوقعة وكيفية التعامل معها*
ضعف الحماس في البداية ويتم تجاوزه عبر :
* البدء بمشروعات صغيرة ناجحة .
* تحقيق نتائج ملموسة سريعاً .
*الخوف من الطابع السياسي ولذلك يجب التأكيد منذ البداية :*
* المشروع خدمي وتنموي فقط .
* لا يتبع أي تيار سياسي أو حزبي .
*ضعف الاستمرارية ويتم علاجه عبر :*
* التنظيم الجيد .
* خلق شعور حقيقي بالفائده .
* التقييم المستمر للنتائج .
*من الفكرة إلى الحلم الوطني*
قد تبدو فكرة تخصيص يوم شهري للعمل المجتمعي فكرة بسيطة لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة تبدأ غالباً من أفكار بسيطة آمنت بها الشعوب فتحولت إلى ثقافة وحضارة .
لقد نجحت رواندا في تحويل *أوموجاندا* إلى فلسفة وطنية أعادت بناء الإنسان قبل الشارع ومصر بتاريخها وحضارتها وشعبه قادرة على تقديم نموذج أكثر عمقاً وتأثيراً إذا توفرت الإرادة والتنظيم والرؤية الواضحة .
إن *يوم الأيادي المصرية* ليس مجرد نشاط تطوعي بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ووطنه وبين المواطن ومجتمعه وربما يأتي اليوم الذي يصبح فيه مشهداً طبيعياً أن نرى *( الأستاذ الجامعي إلى جوار العامل ورجل الأعمال إلى جوار الطالب والطبيب إلى جوار الشاب المتطوع يعملون جميعاً بأيديهم من أجل مصر )*.
*فالأوطان لا تبنيها الحكومات وحدها بل تبنيها الشعوب التي تؤمن ن أن لكل يدٍ دوراً في صناعة المستقبل*

.jpg)




.jpg)


























