من هدنة 1949 إلى 17 مايو 1983.. عقود من الاتفاقات المتعثرة بين لبنان وإسرائيل


تبدأ الحكومة اللبنانية، يوم الثلاثاء المقبل، مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن؛ لبحث التوصل إلى وقف إطلاق النار في لبنان، مع توقعات بأن تتطور نتائج تلك المفاوضات لتصل إلى توقيع اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل وتطبيع العلاقات بينهما.
وينقسم اللبنانيون، بين مؤيدين لحزب الله وخيار المقاومة المسلحة ويطالبون بأن تبحث إيران الملف اللبناني على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة في باكستان، وآخرين يدعون إلى أن تفاوض الدولة اللبنانية وحدها باسم اللبنانيين.
وعلى مدار نحو 80 عاما من تاريخ لبنان الحديث، شهدت البلاد تجارب متعددة من المفاوضات مع إسرائيل، انتهت أحيانًا إلى اتفاقات هشة سرعان ما تعثّر تطبيقها، أو جرى الانسحاب منها بعد توقيعها استجابة لعدم التوافق والقبول الشعبي.
- الهدنة.. اتفاق على أنقاض حرب فلسطين
بعد إعلان قيام إسرائيل في مايو 1948، دخلت الدول العربية في قتال ضد العصابات الصهيونية المحتلة فيما عُرف بحرب فلسطين.
وفي العام 1948، احتلت العصابات الصهيونية جزءًا من جنوب لبنان وأصبحت على مشارف نهر الليطاني، وارتكبت مجزرة مروعة في قرية حولا اللبنانية سقط فيها أكثر من سبعين شهيدا من أبنائها، حسب ما جاء في كتاب «لبنان في تحولات المشروع الإسرائيلي» الصادر عن منشورات المجلس الثقافي الجنوبي لمحمود حيدر.
وجرى توقيع عدد من الاتفاقيات لإنهاء الحرب وتنظيم الواقع الجديد، وكان أبرزها اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل الذي وقع في رأس الناقورة مارس 1949.
وبحسب دراسة بعنوان «اتفاقية الهدنة اللبنانية - الإسرائيلية للعام 1949: أبعادها، إطارها القانوني، وأهميتها» إعداد العميد الركن الدكتور رياض شيا ونُشرت عام 2021، استمرت الاتفاقية منذ توقيعها وحتى عام 1967 كنظام فعال لمراقبة الأمن في منطقة الحدود بين لبنان وإسرائيل.
لكن حرب الخامس من يونيو 1967، دفعت إسرائيل إلى إعلان التخلي عنها وعن النظام الذي أنشأته تلك الاتفاقية، في مخالفة لمبادئ وقواعد القانون الدولي المتعلقة بالالتزامات الدولية، وفقا للدراسة.
وأشارت الدراسة، إلى أن الاتفاقية رسخت الحدود الدولية في جنوب لبنان، ما وضع حدا لأطماع إسرائيل في الأراضي اللبنانية، خاصة وأن إسرائيل ترفض تعيين حدودها بشكل نهائي، وهو ما يعكس طموحاتها الإقليمية، وقد يكون أحد الأسباب التي دفعتها لاحقا إلى التملص من التزامات الاتفاقية وإعلان تخليها عنها.
- اتفاق 17 مايو.. الرئيس أمين الجميل يتراجع بعد الغضب الشعبي
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت، جرت مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية، وهي المفاوضات المباشرة الوحيدة بين الطرفين، وأدت إلى توقيع اتفاق 17 مايو 1983 في عهد الرئيس أمين الجميل.
ونصت الاتفاقية، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من لبنان خلال فترة زمنية تمتد من 8 إلى 12 أسبوعا، بإشراف لجنة مشتركة من البلدين برئاسة الولايات المتحدة.
وطالب الجانب الإسرائيلي، مقابل الانسحاب الكامل بإقامة الجيش اللبناني منطقة أمنية في جنوب لبنان تبعد بين 20 و37 ميلا عن شمال إسرائيل؛ لمنع المقاتلين الفلسطينيين من الاقتراب من المنطقة الحدودية، حسب تقرير لمجلة «المجلة» السعودية.
ومضى أمين الجميل، قدمًا في الاتفاق رغم المعارضة التي واجهها آنذاك، وأحاله إلى مجلس النواب للتصويت، وحضر الجلسة 72 عضوا من أعضاء البرلمان اللبناني، وامتنع ثلاثة عن التصويت، وصوت اثنان ضد الاتفاقية، بينما صوّت البقية بالموافقة عليها.
ووقف نبيه بري، زعيم حركة أمل، أمام أبواب البرلمان، واصفًا الوثيقة بأنها اتفاق «للإذلال والفضيحة»، وكان من بين المعارضين الرئيس السابق سليمان فرنجية وهو مسيحي ماروني، ووليد جنبلاط الذي يمثل الدروز، ورئيس الوزراء السابق رشيد كرامي الذي يمثل المسلمين السنة.
وفي 23 يوليو 1983، شكل هؤلاء الجبهة الوطنية للإنقاذ في بعلبك وإهدن، وحصلوا على دعم شخصيات بارزة مثل رئيس الوزراء السابق تقي الدين الصلح والمفتي حسن خالد، الذين انتقدوا الاتفاق.
ثم جاءت انتفاضة 6 فبراير 1984، والتي قادها نبيه بري في منطقة بيروت الغربية، وشهد لبنان تظاهرات جماهيرية في جميع أنحاء البلاد.
وفي ما يتعلق بعدم توقيع الاتفاق نهائيا، أوضح أمين الجميل، في شهادة نشرتها صحيفة «إندبندنت»، أنه لم يوقع لأنه كان يبحث عن توافق لبناني أوسع.
وأضاف: «صحيح أن الحكومة وافقت والمجلس النيابي صدق عليه، لكن كان هناك شرخ داخلي كبير وانقسام طائفي حاد، والمعارضة كانت تتحرك بدعم خارجي، خصوصا من سوريا.. لم أرد فرض اتفاق بالسلاح، بل كنت أبحث عن صيغة تحفظ السيادة وتحمي الوحدة».
وتابع: «قد يكون البعض رأى في الاتفاق خيانة، لكنه كان محاولة واقعية لوقف النزف واستعادة القرار الوطني، والتاريخ حين يكتب بموضوعية سينصف تلك المحاولة، ولو فشلت بفعل توازنات لم تكن في مصلحة لبنان».

.jpg)























