خط أحمر
السبت، 26 سبتمبر 2026 11:23 صـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

د. ميادة عبدالعال تكتب: ثقافة الـ60 ثانية.. الوجبات المعرفية السريعة واختصار الحقيقة

خط أحمر

لم يعد «الترند» مجرد موضوع يشغل منصات التواصل لساعات أو أيام، بل تحول تدريجيًا إلى طريقة يتلقى بها قطاع واسع من الجمهور الأخبار والمعلومات والأفكار.

نرى قضية سياسية معقدة تختزل في مقطع لا يتجاوز دقيقة، وملفًا اقتصاديًا يحتاج إلى أرقام وسياق يتحول إلى جملة ساخرة، ومعلومة علمية تُقدم في ثوانٍ وكأنها حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى شرح أو مراجعة.

المشكلة هنا ليست في قِصر المحتوى، فاختصار المعلومات قد يكون مفيدًا عندما يحافظ على معناها وسياقها، وإنما في أن الاختصار أحيانًا يتحول إلى حذف. حذف التفاصيل، والخلفيات، والاستثناءات، ووجهات النظر المختلفة، حتى يصبح ما يصل إلى المستخدم مجرد «جزء من الحقيقة» يبدو وكأنه الحقيقة كلها.

ومع إيقاع المنصات الرقمية السريع، أصبح المستخدم أمام سيل متواصل من المقاطع التي تتنافس على انتباهه. كل محتوى يريد أن يكون أكثر جذبًا من الذي سبقه، وكل صانع محتوى يبحث عن الجملة التي يمكن أن تتحول إلى عنوان، والمعلومة التي تصلح للمشاركة، واللقطة التي تثير التعليق والجدل. وهنا تتراجع قيمة السؤال أحيانًا أمام سرعة التفاعل.

الأخطر أن الإنسان قد يشعر بأنه يعرف لأنه شاهد مقطعًا عن موضوع ما، أو قرأ عنوانًا، أو استمع إلى تفسير مختصر. لكنه في الحقيقة قد يمتلك «شبه معرفة»؛ يعرف النتيجة دون مقدماتها، والمعلومة دون مصدرها، والتصريح دون سياقه، والخلاف دون أن يعرف أسبابه.

وهذه المنطقة تحديدًا تصبح بيئة خصبة للشائعات. فالشائعة لا تحتاج دائمًا إلى شخص يصدقها من البداية، بل يكفي أن يجد المستخدم معلومة ناقصة، أو قصة مثيرة، أو مقطعًا خارج سياقه، ثم يعيد نشره قبل أن يبحث عن مصدره.

ومع تكرار المحتوى، قد يتحول الانطباع إلى قناعة، والتداول إلى ما يشبه الدليل، وكثرة المشاهدات إلى معيار زائف للمصداقية.

المفارقة أن المنصات التي أتاحت للناس الوصول إلى كم هائل من المعرفة قد تجعل البعض أقل صبرًا على المعرفة نفسها. فالمشكلة لم تعد في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على فرزها وفهمها وربطها بسياقها.

نحن أمام جيل لا يعاني بالضرورة من نقص المعلومات، بل من فائضها وسرعتها. جيل يستطيع الوصول إلى عشرات التفسيرات خلال دقائق، لكنه قد لا يمنح نفسه الوقت الكافي لمعرفة أيها يستند إلى مصدر موثوق، وأيها مجرد رأي، وأيها اقتطاع، وأيها صُنع خصيصًا لجذب المشاهدة.

وهنا لا يصبح الحل في محاربة «الريلز» أو «تيك توك»، ولا في مطالبة الجمهور بالابتعاد عن المنصات الرقمية. هذه المنصات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، كما أن المحتوى القصير يمكن أن يكون أداة فعالة للتوعية إذا استُخدم بمسؤولية. القضية الحقيقية هي بناء علاقة أكثر وعيًا مع هذا المحتوى.

نحتاج أن نُعيد الاعتبار إلى قيمة السؤال: من قال؟ وما المصدر؟ ومتى قيلت هذه المعلومة؟ وما الذي حُذف من السياق؟ وهل هناك مصادر أخرى تؤكدها؟ وهل ما أشاهده حقيقة أم تفسير أم رأي؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تبدو بديهية، لكنها تمثل خط دفاع أساسيًا أمام الشائعة في البيئة الرقمية.

فالوعي الإعلامي اليوم لم يعد رفاهية، ولا يخص الصحفيين والمتخصصين فقط. أصبح مهارة يومية يحتاجها كل مستخدم للهاتف؛ لأن كل مستخدم أصبح في الوقت نفسه متلقيًا للمعلومة، وناشرًا لها، وأحيانًا جزءًا من صناعة انتشارها.

المعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاطع التي شاهدناها، ولا بعدد الموضوعات التي مررنا عليها بأعيننا، وإنما بقدرتنا على الفهم والتمييز والتحقق. وبين أن «نعرف شيئًا» وأن «نظن أننا نعرفه» مساحة خطيرة قد تبدأ بمقطع قصير وتنتهي بقناعة خاطئة.

في عصر الوجبات المعرفية السريعة، ربما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نتوقف قليلًا قبل أن ننتقل إلى المقطع التالي؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نجهل معلومة، وإنما أن نمتلك نصف معلومة ونثق فيها بالكامل.

فالترند قد يصنع انتشارًا، لكنه لا يصنع حقيقة. والمشاهدة لا تعني المعرفة، والتكرار لا يعني المصداقية. وبين السرعة التي تفرضها المنصات والوعي الذي يحتاجه الإنسان، تظل مسؤوليتنا الحقيقية أن نختار الفهم قبل الانفعال، والتحقق قبل المشاركة، والمعرفة قبل مجرد الشعور بأننا نعرف.

د. ميادة عبدالعال ثقافة الـ60 ثانية الوجبات المعرفية السريعة واختصار الحقيقة خط أحمر
⇧
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة