خط أحمر
الأحد، 26 يوليو 2026 11:14 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

الدكتور أحمد عبود يكتب: حروب الظل.. كيف تحاول أجهزة الاستخبارات المعادية إشعال المجتمعات من خلف الشاشات؟

خط أحمر

لم تعد الحروب الحديثة تعتمد فقط على الأسلحة والجيوش، بل انتقلت إلى ساحات جديدة أكثر خطورة، وفي مقدمتها الفضاء الإلكتروني وحرب المعلومات والتأثير في وعي الشعوب. فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة قادرة على نشر المعلومات والأفكار خلال دقائق، وهو ما جعلها أداة مهمة في الصراعات السياسية والاستخباراتية، سواء في نقل الحقيقة أو في التلاعب بها.

ومن أخطر الأساليب التي يمكن أن تستخدمها أجهزة الاستخبارات المعادية الحسابات الوهمية والحملات الإلكترونية المنظمة. فقد تظهر حسابات على أنها لمواطنين عاديين، ثم تبدأ في نشر أخبار أو صور أو مقاطع حقيقية ومفبركة، وإعادة تداولها بصورة مكثفة، والدخول في النقاشات السياسية، بهدف تضخيم حالة الغضب الموجودة بالفعل داخل المجتمع. فالمطلوب ليس دائمًا اختراع مشكلة من الأساس، وإنما استغلال مشكلة حقيقية وتضخيمها وتحويلها من قضية قابلة للحل إلى حالة من الاحتقان والاستقطاب.

ومن هنا يطرح المقال تساؤلًا حول إمكانية استغلال أجهزة استخبارات معادية للأزمات التي شهدتها المجتمعات العربية خلال فترة الربيع العربي، خصوصًا مع الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي في تلك الفترة. فالثورات والاحتجاجات لم تكن بلا أسباب، بل ارتبطت بمشكلات حقيقية مثل البطالة والفساد والفقر والقمع السياسي وضعف الثقة بين المواطن وبعض مؤسسات الدولة. لكن وجود هذه الأسباب الداخلية لا يمنع احتمال محاولة أطراف خارجية استغلالها أو التأثير في مسار الأحداث بما يخدم مصالحها.

والخطر الأكبر في هذه الحرب أن الجهة التي تقف خلف التأثير قد لا تظهر في المشهد إطلاقًا؛ فقد يكفي أن تنجح في دفع المواطنين أنفسهم إلى إعادة نشر الرسائل وتكرارها والدفاع عنها. وبذلك يتحول المواطن، دون أن يدرك، إلى جزء من عملية تأثير أكبر منه. كما يمكن للحسابات الوهمية أن تخلق ما يشبه «وهم الأغلبية»، عندما يرى الشخص آلاف المنشورات والتعليقات التي تبدو وكأنها تعبر عن رأي واحد، فيعتقد أن المجتمع كله يتحرك في الاتجاه نفسه.

ولهذا فإن مواجهة حروب المعلومات لا تكون فقط بمنع مواقع التواصل أو تقييد تداول الأخبار، وإنما ببناء مواطن يمتلك وعيًا رقميًا يستطيع من خلاله التحقق من المعلومات، والتمييز بين الحساب الحقيقي والحساب الوهمي، وبين النقد الوطني المشروع والحملة المنظمة التي تهدف إلى إشعال الخلافات داخل المجتمع. كما يجب على المؤسسات الإعلامية والدولة التعامل بسرعة وشفافية مع الشائعات والمعلومات المضللة، لأن غياب المعلومة الصحيحة يترك مساحة واسعة أمام الشائعات والتلاعب.

وفي الوقت نفسه، فإن أقوى وسيلة لمواجهة أي تدخل خارجي هي معالجة الأسباب الداخلية التي يمكن أن تستغلها تلك الجهات. فكلما كانت هناك مشكلات متراكمة يشعر المواطن بعدم وجود حلول لها، أصبحت البيئة أكثر قابلية للاستغلال. أما عندما تقوم الحكومات بدورها في مواجهة الفساد والبطالة وتحسين مستوى المعيشة، والاستماع إلى المواطنين، وفتح قنوات للحوار، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، فإنها تقلل بصورة كبيرة من قدرة أي جهة معادية على استغلال الأزمات.

ختامًا، تظل الدول آمنة بوعي شعوبها وبمشاركة فعالة من حكوماتها في حل المشكلات الأساسية داخل المجتمعات العربية. فالأمن القومي لم يعد مرتبطًا فقط بحماية الحدود والمنشآت، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بحماية وعي المواطن من التضليل والتلاعب. والمجتمع الواعي، والدولة التي تستمع إلى شعبها وتعالج مشكلاته، يمثلان معًا خط الدفاع الأول أمام أي محاولة خارجية لزعزعة الاستقرار أو إشعال الفتن من خلف الشاشات.

مقالات خط أحمر أحمد عبود مقالات خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة