محمد محفوظ يكتب: مَوْتٌ وَخَرَابُ دِيَار.. وَالعَزَاءُ عَلَى السَّجَّادَةِ الحَمْرَاءِ!


عَزَاءٌ أَمْ فَرَحٌ مُؤَجَّل؟.. عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ الوَفَاةُ إِلَى مَهْرَجَانٍ لِلفَشْخَرَةِ وَالاسْتِعْرَاض
في الوقت الذي تقف فيه أسرة أمام مصاب جلل، وتعيش أصعب لحظات الفقد، تحوّل بعض العزاءات إلى ما يشبه السجادة الحمراء؛ كاميرات، تصوير، استعراض، وبذخ لا يعرف أين ينتهي.
والأغرب أن بعض مرشحي مجلس النواب دخلوا هم أيضًا في السباق!
من يصل أولًا؟ من يجلس في الصف الأول؟ من يظهر أكثر أمام الكاميرات؟ ومن تلتقط له الصور وهو يصافح أهل المتوفى؟
وكأن العزاء أصبح محطة انتخابية مبكرة، وكأن واجب العزاء تحول من مواساة أهل الميت إلى فرصة مجانية للظهور أمام الناخبين
نعم.. قد يبدو الكلام قاسيًا، لكنه يستحق أن يُقال بصراحة.
متى أصبح العزاء مسابقة؟
من يقيم السرادق الأكبر؟
من ينفق أكثر؟
من يحضر له أكبر عدد من الشخصيات؟
من يضع الإضاءة الأقوى؟
من يستعين بأفضل معدات الصوت والتصوير؟
ومن يستطيع أن يحول مجلس العزاء إلى “تغطية إعلامية” كاملة، بالكاميرات والمصورين والنشر على مواقع التواصل؟
يا سادة.. الميت مات!
لم يترك وراءه حفل زفاف حتى نتنافس في فخامته، ولم يطلب من أحد أن يحول لحظة الفقد إلى معرض للوجاهة الاجتماعية.
العزاء في جوهره لحظة إنسانية شديدة القسوة؛ أسرة فقدت إنسانًا تحبه، وأهل وأصدقاء جاءوا ليقولوا كلمة طيبة، ويواسوا، ويدعوا للراحل بالرحمة.
والسؤال هنا: هل جئنا نعزي أم جئنا نُثبت للناس أننا نعرف فلانًا وعلانًا؟
ثم تبدأ الحكاية الأخطر: فاتورة المظاهر.
سرادق بمبالغ ضخمة، ضيافة مبالغ فيها، تجهيزات لا تنتهي، ومصاريف يمكن أن تُرهق أسرة فقدت أحد أفرادها، فقط لأن المجتمع قرر أن يضع لها معيارًا جديدًا للعزاء:
“لو عزاؤك مش كبير.. يبقى أنت قصّرت!”
ومن هنا تبدأ الكارثة.
أسرة بسيطة تفقد عزيزًا، فتجد نفسها تحت ضغط اجتماعي هائل: ماذا سيقول الناس؟ ماذا سيفعل أهل البلد؟ هل سيكون العزاء مثل عزاء فلان؟ هل سيحضر المسؤولون؟ هل ستظهر الصور؟ هل سيكون السرادق لائقًا باسم العائلة؟
وهكذا يتحول الحزن إلى فاتورة اجتماعية.
والأكثر استفزازًا أن بعض الناس لا يكتفون بالبذخ، بل يريدون أن يعرف الجميع أنهم بذخوا!
فالمشكلة ليست في أن تنفق من مالك على عزاء تراه مناسبًا، وإنما في أن يتحول الإنفاق إلى استعراض، وأن يصبح الميت نفسه مجرد مناسبة لإظهار المستوى المادي والاجتماعي لأسرته.
أما التصوير، فله حكاية أخرى.
لماذا نصور الناس في العزاء؟
لماذا نضع الكاميرا أمام شخص جاء مكسور القلب ليقدم واجب العزاء؟
لماذا نلاحق المسؤول أو المشهور بعد دخوله السرادق؟
ولماذا يتحول حضور بعض الشخصيات إلى “سبق” يتم نشره على صفحات التواصل الاجتماعي؟
هل أصبحت قيمة المواساة في أن يكون لدينا فيديو يثبت أن فلانًا حضر؟
وهل أصبح من الضروري أن يرى الناس كل من دخل العزاء وكل من صافح أهل المتوفى؟
هناك لحظات يجب أن نحترم خصوصيتها.
الحزن ليس محتوى.
والموت ليس مادة دعائية.
والعزاء ليس مؤتمرًا صحفيًا.
والميت ليس “ترندًا”.
وكأننا دخلنا في دوري أبطال العزاء!
من يملك المال يقيم عزاءً يليق بمكانته - كما يقال - ومن لا يملك، يشعر بالخجل من إمكاناته المحدودة.
نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تقول: كفى!
كفى فشخرة.
كفى استعراضًا.
كفى منافسة في الأحزان.
كفى تصويرًا لكل شيء.
كفى تحويل الموت إلى مناسبة لإثبات المكانة.
اتركوا للميت حرمة موته، ولأهله حرمة حزنهم.
فليس من الوفاء أن نجعل آخر مناسبة في حياة إنسان ميتًا فيها الحزن نفسه.
وليس من العقل أن ندفن الميت ثم نترك أهله يدفنون أنفسهم تحت الديون بسبب “كلام الناس”.
وفي النهاية، هناك سؤال بسيط لكنه موجع:
عندما نعود من العزاء، ماذا نريد أن يتذكر الناس؟
أننا وقفنا بجوار أهل الميت ودعونا له؟
أم أن يتذكروا حجم السرادق، وفخامة الضيافة، وعدد الكاميرات، وأسماء المشاهير الذين حضروا؟
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين العزاء الحقيقي والاستعراض باسم العزاء.
رحم الله موتانا جميعًا، وألهم أهلهم الصبر.
وليتنا نتعلم أن الموت لا يحتاج إلى فشخرة…
الموت يحتاج إلى رحمة.


.png)

































