اضطرابات هرمز تشعل أسعار الطاقة والصين تخفف صدمة سوق النفط العالمي


مع تصاعد الهجمات في مضيق هرمز واستئناف الضربات الأمريكية على أهداف إيرانية، تصاعدت المخاوف من موجة ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة تهدد الاقتصاد العالمي، إلا أن خبراء يرون أن الاحتياطيات النفطية الضخمة للصين ومرونة طلبها على الخام لعبتا دورا مهما في احتواء صدمة الأسواق، لتصبح بكين أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار أسعار النفط خلال الأزمة الراهنة.
وأظهرت بيانات الشحن تراجعا حادا في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بعدما عبرت ثلاث سفن بضائع فقط بنهاية يوم الخميس، وهو أدنى عدد لعمليات العبور اليومية منذ مايو، في ظل توقف العديد من السفن أو تغيير مساراتها.
وتقول مجلة نيوزويك في تقرير بعنوان الصدمة النفطية القادمة قد تعتمد على الصين" إن أسعار الطاقة قد ارتفعت بقوة خلال الأسبوع المنتهي، في ظل تصاعد التوترات في الخليج بعد تحرك إيران نحو تشديد الضغوط على الملاحة في مضيق هرمز عبر تكثيف الهجمات على السفن، بالتزامن مع استئناف الجيش الأمريكي ضرباته اليومية على أهداف داخل إيران.
وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 4% خلال تعاملات الجمعة لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من شهر وسط مخاوف متزايدة من اضطراب إمدادات الطاقة وبلغت العقود الآجلة لخام برنت 88.10 دولار للبرميل، مرتفعة بمقدار 3.87 دولار أو 4.59%، فيما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 3.54 دولار أو 4.48% إلى 82.49 دولار للبرميل، ليسجل الخامان أعلى مستوياتهما منذ منتصف يونيو.
وقال محللون في أسواق الطاقة للمجلة الأمريكية، إن الاضطرابات الممتدة لأشهر في أهم ممر مائي لتجارة النفط الخام عالمياً كان من المفترض أن تدفع الأسعار إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، إلا أن الأسواق تلقت دعما غير متوقع من الصين، ما ساهم في الحد من حدة الصدمة.
وأوضح خبراء أن الاحتياطيات الضخمة من النفط الخام لدى الصين مكنت بكين من تعديل سياستها الطاقية وامتصاص جزء من تداعيات الحرب مع إيران، الأمر الذي منحها مرونة أكبر في إدارة الطلب المحلي.
وأشارو إلى أن هذه المرونة في الطلب الصيني كان لها تأثير مباشر على توازنات السوق العالمية، إذ ساعدت في تخفيف الضغوط على الإمدادات المتاحة للمشترين الآخرين، ومن المرجح أن تلعب دوراً محورياً في تحديد اتجاهات أسعار النفط وتقلباتها خلال الأزمة الحالية وأي صدمات مستقبلية في سوق الطاقة العالمية.
فقد سمحت احتياطيات الصين الهائلة من النفط الخام لها بتكييف سياستها الطاقية لحماية نفسها من تداعيات الحرب مع إيران.
ويعد مضيق هرمز هذا الممر المائي الشريان الأكثر حيوية لتجارة النفط الخام عالميا، حيث يتدفق عبره نحو خمس الإمدادات الدولية.
وترى مجلة "نيوزويك" أن المرونة العالية للطلب الصيني باتت اللاعب الحاسم في توجيه صدمات الطاقة الحالية والمستقبلية.
وقال جوسيلينو كولاريس، أستاذ القانون بجامعة كيس ويسترن ريزيرف في أوهايو، إن الخطوة الصينية المتمثلة في خفض مشترياتها النفطية أتاحت وفرة من البراميل لمشترين آخرين في السوق الدولية، مما أسهم بشكلٍ مباشر في امتصاص القفزة السعرية الحادة وتخفيف وطأتها على الاقتصاد العالمي.
وتكمن المفارقة في أن الصين، حسبما جاء في تقرير نيوزويك، التي تصنف أكبر مستورد للنفط عالميا، باستهلاك يبلغ خمس البراميل المتداولة دوليا، كانت قد أمضت سنوات طويلة في بناء ترسانة هائلة من الاحتياطات الاستراتيجية، مستفيدةً من شراء النفط الإيراني الخاضع للعقوبات والنفط الفنزويلي المخفض.
ومع اندلاع شرارة الحرب وتصاعد التوترات، أظهرت بيانات الجمارك الصينية الأولية هبوطا حادا في واردات النفط بنسبة بلغت 41.3% على أساس سنوي، لتصل إلى 29.27 مليون طن، وهو المستوى الأدنى لها منذ قرابة عقد من الزمان، وتحديدا منذ أكتوبر عام 2016.
وذكرت نيوزويك أن بكين فضلت السحب المنظم من مخزونها السطحي بمعدل يتراوح بين 600 إلى 700 ألف برميل يوميا لتجنب الشراء بالأسعار المرتفعة، وحماية لقطاعها التصنيعي الذي يعاني أساسا من هوامش ربحٍ ضيقة.
ورغم هذا الانخفاض الكبير في كمية البراميل المشحونة، إلا أن قيمة الواردات الإجمالية بلغت 22.4 مليار دولار، مستقرة قرب متوسط الإنفاق الشهري السابق للحرب البالغ 26.5 مليار دولار، وذلك بسبب الارتفاع العام للأسعار.
من جانبها تشير إيما لي، المحللة البارزة في شركة فورتيكسا لتتبع حركة الطاقة، إلى أن المخزون الصيني القابع في الخزانات السطحية وحده يقدر بنحو 1.2 مليار برميل، وهي كمية كافية نظريا لتغطية عمليات السحب لأكثر من ثلاث سنوات مستمرة، حتى لو تسارعت الوتيرة إلى مليون برميلٍ يوميًا.
وتتكامل هذه القدرة مع تقديرات مصرف جولدمان ساكس التي تشير إلى أن إجمالي المخزون الصيني الشامل يبلغ 1.9 مليار برميل، ما يغطي 117 يومًا من كامل الطلب المحلي، فضلاً عن وجود إمدادات برية آمنة عبر الأنابيب من روسيا وكازاخستان وميانمار تعمل مصدات إضافية للصدمات.
ولم تكن بكين وحدها في مضمار احتواء الأزمة الكارثية التي وصف صندوق النقد الدولي ذروتها السعرية بين مارس ومايو بأنها تحاكي صدمة الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، بل تضافرت معها جهود دولية تمثلت في إفراج الولايات المتحدة عن براميل من احتياطيها الاستراتيجي، وقيام السعودية والإمارات بتوجيه الصادرات عبر موانئ ينبع والفجيرة الواقعة بأمان خارج النطاق الجغرافي مضيق.
وأظهرت بيانات شركة بيكر هيوز، الصادرة الجمعة، أن شركات الطاقة الأمريكية واصلت توسيع نشاطها، بعدما أضافت منصات حفر جديدة للأسبوع الخامس على التوالي، في أطول سلسلة زيادات منذ أوائل يونيو، ليرتفع إجمالي عدد المنصات إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2025.
هل تعيد الصين بناء مخزونها؟
يرى خبراء الطاقة أن الحرب في إيران قد تحدث تحولا دائما في تجارة النفط والغاز، إذ باتت الدول الآسيوية، الأكثر تضررا من اضطراب الشرق الأوسط، تبحث عن سبل لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
وتشير تقديرات "جولدمان ساكس"، إلى أن إجمالي المخزون النفطي الصيني، البالغ 1.9 مليار برميل، يكفي لتغطية 117 يوما من الطلب المحلي.
وتؤكد القراءة التحليلية للمشهد وفق نيوز ويك أن الصين لن تندفع مطلقا نحو إعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية في الوقت الراهن، بل ستتريث طويلا ولن ترفع وتيرة استيرادها مجددا إلا عندما تتراجع الأسعار وتعود إلى مستويات الاستقرار التي سبقت اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.


.png)
































