خط أحمر
السبت، 18 يوليو 2026 06:46 مـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

يزيد محمد جلال يكتب: نهائي كأس العالم 2026 بين أرجنتين العنفوان والفوضى وإسبانيا النظام المحكم.. أيهما يربح السباق؟

خط أحمر

منذ بدأت متابعتي الواعية لكرة القدم، وأنا أميل للنظام على حساب الفوضى. ربما لم أكن أعِ وقتها سبب هذا الاختيار، ومع مرور الوقت توصلت إلى أنه ربما لا يختار المشجع فريقاً يمتعه أو يشعره بلذة النصر فقط، بل ربما يميل فطرياً إلى ما يمثل تصوره لعالمه المثالي؛ فتجد بعضهم يميل إلى الفرديات، إلى الحريات، وإلى اللمسات الساحرة، وإن كانت ذات فاعلية أقل. وفي المقابل، يميل البعض الآخر إلى النظام والترتيب المثالي المحكم، وإن كان على حساب المتعة والجمال. وهناك من يميل إلى القوة أو الشجاعة، أو ما يسميه مشجعو كرة القدم "روح الفانلة". لكل منا تصوره عن الفريق الذي يمثل مفاهيمه عن الحياة؛ نشجع من يؤيد فكرتنا، حتى إذا ما انتصر، ننسب الانتصار إلى الفكرة -وإن كانت جزءاً ضئيلاً في الواقع من هذا الانتصار- لكن هذا هو العقل البشري.

يشكل نهائي مونديال أمريكا 2026 مثالاً واضحاً على صراع الأفكار؛ فالأرجنتين تمثل العنفوان، التضحية، القوة، وحتى العاطفة والفوضى أحياناً، بينما تمثل إسبانيا النظام المحكم الدقيق، حيث المنظومة أهم من أي فرد، وحيث كل لاعب يفقد جزءاً من تفرده ليصبح ترساً يدور داخل ماكينة الفريق. قد تكون بعض التروس أفضل من غيرها، لكن حتى مع استبدال أفضل التروس بأخرى أقل كفاءة، لن يفسد ذلك عمل الماكينة.

لتوضيح الفرق الفكري الجوهري بين الفلسفتين، دعنا نأخذ مثالاً على لاعب من كل منتخب، ولنتجاهل الطفرات غير المنطقية (ميسي ويامال) وننتقل للمستوى الذي يليهما، حيث إن قمة الهرم في الفريقين تمثل الاستثناء لا القاعدة. تصور معي مثلاً "إنزو فيرنانديز"، نجم وسط الأرجنتين؛ هل تتخيل المنتخب بدونه؟ وهل تتوقع في حال غيابه للإصابة كيف سيؤثر ذلك على شكل الفريق؟ هل سيظل الفريق يلعب أصلاً بنفس الأسلوب؟ هل سيؤدي بديله نفس الأدوار؟ بالطبع لا؛ ففي الأصل يعتمد تكوين الفريق على تميز أفراده. في تلك الحالة، سيدخل مثلاً "نيكو باز" -لاعب آخر تماماً بخصائص مختلفة- ليؤدي أدواراً مختلفة، وعلى المدرب والزملاء التكيف مع الوضع؛ تكيفاً يعني ربما ميلاً أكبر للاستحواذ، أو إيقاع لعب أبطأ، أو حتى عودة لاعب يشغل مركزاً متقدماً للخلف قليلاً مثل "ماك أليستر".

الآن دعنا ننتقل للمثال الإسباني، ولنقل إن من ستفقده إسبانيا هو "رودري"، أعظم لاعب وسط في هذا المونديال بلا شك. تخيل أن بديله هو "زوبيميندي" على سبيل المثال؛ لاعب مختلف نعم بخصائص مختلفة ربما، لكننا جميعاً نعلم أنه إن دخل لأرضية الملعب، سيؤدي نفس الأدوار بالضبط. قد تختلف الكفاءة، ولكن الأسلوب، الفكر، والتنظيم سيظل وكأن شيئاً لم يكن. تلك هي إسبانيا، وهكذا أُسس بناء فريقها؛ كل لاعب له بديل يشبهه تماماً، فقط نسخة أقل جودة، لتبقى المنظومة هي الأساس.

دعنا الآن نحاول فهم لماذا انتهج كلا المنتخبين هذا النهج. قد يتبادر إلى ذهنك أن السبب هو وفرة اللاعبين في إسبانيا بحيث تمتلك بديلاً لكل لاعب، ولكن هذا لا يبدو لي كسبب كافٍ لتفسير تلك الظاهرة؛ حيث إنه لو لم يتوفر هذا البديل من الأساس، ولو اضطر المدرب حتى لإشراك مهاجم كبديل لرودري، سيتكيف هذا المهاجم ويحاول أداء أدوار "رودري"، بينما العكس تماماً هو ما قد يحدث في حالة "إنزو" والأرجنتين.

السبب الأهم، على ما أعتقد، هو نمط تفكير كلا المجتمعين من الأساس. ففي الأرجنتين، يقدس المجتمع مفهوم التميز الفردي، ويتخذ من الارتجال منهجاً دفاعياً في وجه التقلبات السياسية والاجتماعية؛ حيث يظهر ما يعرف بمصطلح "El Vivo"، وهي كلمة تقابلها في العامية المصرية "الفهلوة"، بحيث ينظر المجتمع للشخص الذي يمتلك تلك الميزة بصفته شخصاً ذا كفاءة في مواجهة المشكلات والصعاب اليومية. يترجم هذا في أرضية الملعب إلى تقديس الشخص الذي يمكنه تغيير واقع المباراة بلمسة.

أما إذا نظرنا إلى الجانب الآخر، نجد أن المجتمع الإسباني -وخصوصاً فيما بعد التحول الديمقراطي- قد ركز وبشكل هائل على إضفاء الطابع المؤسسي على كل شيء، وبالطبع شمل ذلك الرياضة، وفي القلب منها كرة القدم. إسبانيا تؤمن بأن قوة الفريق "المؤسسة" تكمن في العمليات لا في الأشخاص؛ هذا هو سبب ظهور مفهوم "تيكي تاكا" كنموذج رياضي يعكس إدارة الموارد الإنسانية بكفاءة عالية، حيث لا يُسمح للفرد بأن يطغى على المسار العام.

ربما لا يوجد تفوق مطلق لأحدهما على الآخر؛ فالإنسانية في جوهرها تحتاج إلى "النظام" الإسباني لكي تبني حضاراتها، كما تحتاج إلى "الجنون" الأرجنتيني لكي تكسر رتابة هذا البناء. كرة القدم، كالحياة، تظل متوازنة طالما أن هناك صراعاً بين الرغبة في الترتيب والرغبة في التمرد، وكما أثبت هذا النهائي، فإن أجمل اللحظات ليست تلك التي يسود فيها طرف، بل هي تلك التي يلتقي فيها النظام بالجنون في لحظة صدام ممتعة.

كأس العالم 2026 نهائي كأس العالم الأرجنتين إسبانيا خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة