د. محمد سيد أحمد يكتب: الشعوب لا تخسر أوطانها دفعة واحدة !!


في اللحظة التي تتجه فيها الأنظار إلى واشنطن حيث تعقد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية مع العدو الصهيوني، تتجه أنظار أبناء الجنوب اللبناني إلى مشهد مختلف تماماً؛ مشهد القرى المدمرة، والمنازل المحروقة، والأراضي المحتلة، والأهالي الذين يعيشون تحت وطأة الخوف والتهجير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما القيمة السياسية والأخلاقية لمفاوضات تجري فيما يستمر الاحتلال في فرض وقائعه بالقوة على الأرض؟
إن أي قراءة موضوعية لطبيعة الصراع العربي - الصهيوني تؤكد أن الكيان الصهيوني لم يتعامل يوماً مع المفاوضات باعتبارها بديلاً عن القوة، بل باعتبارها امتداداً لها. فالمفاوضات بالنسبة إليه ليست مساراً مستقلاً عن العدوان العسكري، وإنما أداة سياسية تستثمر نتائج القوة العسكرية وتعمل على تحويلها إلى مكتسبات دائمة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول العربية هو الدخول في عملية تفاوضية بينما يستمر الطرف الآخر في تغيير الوقائع الميدانية لمصلحته.
من هنا تبدو المفارقة اللبنانية شديدة القسوة، فبينما تتحدث الحكومة اللبنانية عن ضرورة التمسك بخيار التفاوض باعتباره الأقل كلفة، تستمر قوات الاحتلال في استباحة القرى الجنوبية، وتوسيع مناطق سيطرتها، ومواصلة سياسة التدمير الممنهج للبنية الاجتماعية والعمرانية. وكأن المطلوب من لبنان أن يتفاوض على استعادة أرضه في الوقت الذي يجري فيه اقتطاع أجزاء جديدة منها كل يوم.
إن منطق "الخيار الأقل كلفة" قد يبدو منطقاً واقعياً في ظل اختلال موازين القوى الدولية والإقليمية، لكنه يتحول إلى منطق شديد الخطورة عندما يصبح بديلاً عن امتلاك عناصر القوة السياسية والقانونية والدبلوماسية اللازمة لحماية الحقوق الوطنية. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تخسر أوطانها دفعة واحدة، وإنما تخسرها بالتدريج عندما تعتاد تحويل الحقوق الثابتة إلى موضوع للتفاوض، والسيادة الوطنية إلى ملف قابل للمساومة.
لقد أثبتت التجربة العربية خلال العقود الماضية أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً في الصراع مع الكيان الصهيوني، بل هي الشريك الاستراتيجي الأكبر في دعمه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. ولذلك فإن الرهان على أن تؤدي المفاوضات التي تدار في واشنطن إلى انتزاع حقوق لبنان كاملة دون امتلاك أوراق ضغط حقيقية يبدو أقرب إلى التمني منه إلى الحسابات السياسية الواقعية.
والأخطر من ذلك أن استمرار المفاوضات في ظل العدوان الجاري قد يبعث برسائل خاطئة إلى الاحتلال. فالعدو قد يفسر هذا السلوك باعتباره مؤشراً على أن بإمكانه مواصلة القصف والتدمير والاحتلال دون أن يدفع ثمناً سياسياً حقيقياً، طالما أن العملية التفاوضية مستمرة وطالما أن الضغوط الدولية الجدية غائبة. وهنا تتحول المفاوضات من وسيلة لاستعادة الحقوق إلى مظلة سياسية تسمح للعدوان بمواصلة أهدافه.
لا أحد يطالب لبنان بخوض مغامرات غير محسوبة أو الذهاب إلى خيارات انتحارية لا تسمح بها الظروف القائمة، لكن بين الاستسلام للأمر الواقع وبين المغامرة العسكرية توجد مساحة واسعة من الخيارات الوطنية. هناك أدوات القانون الدولي، وأدوات الضغط الدبلوماسي، وتفعيل العلاقات العربية والإقليمية، وحشد الرأي العام العالمي، وتصعيد المواجهة السياسية مع الاحتلال في المحافل الدولية. هذا بالطبع إلى جانب دعم خيار المقاومة وليس المطالبة بنزع سلاحها. أما الاكتفاء بانتظار نتائج مفاوضات يعترف القائمون عليها أنفسهم بأنها غير مضمونة النتائج، فهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام.
إن قضية الجنوب اللبناني ليست مجرد قضية حدود أو نقاط جغرافية متنازع عليها، وإنما هي قضية سيادة وطنية وكرامة شعب وتاريخ مقاومة. فالقرى التي تتعرض للتدمير اليوم ليست مجرد أبنية حجرية، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية اللبنانية ومن هوية أهل الجنوب الذين قدموا تضحيات هائلة دفاعاً عن أرضهم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمستقبل المفاوضات، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي تعلن تمسكها بالسيادة الكاملة على أراضيها مطالبة بأن تجعل هذه السيادة حقيقة سياسية لا مجرد شعار. والسيادة لا تقاس بما يقال في الخطابات، وإنما بما يتخذ من مواقف وإجراءات عندما تتعرض الأرض للاحتلال ويعتدى على المواطنين.
إن أخطر ما قد ينتج عن المرحلة الراهنة هو تطبيع اللبنانيين مع فكرة الاحتلال المؤقت، أو التعايش مع بقاء قوات العدو فوق أجزاء من الأرض اللبنانية باعتبار ذلك أمراً يمكن حله مستقبلاً عبر جولات تفاوض لا تنتهي. فالتجربة التاريخية تؤكد أن الاحتلالات تبدأ مؤقتة ثم تتحول إلى وقائع دائمة إذا لم تواجه بإرادة سياسية صلبة.
إن لبنان اليوم يقف أمام معادلة دقيقة وصعبة. فمن جهة هناك حرص رسمي على تجنب حرب واسعة ومدمرة، ومن جهة أخرى هناك ضرورة وطنية لا تقل أهمية تتمثل في منع الاحتلال من استثمار هذا الحرص لفرض وقائع جديدة على الأرض. وبين هذين الاعتبارين ينبغي أن تتحرك السياسة اللبنانية.
قد يكون شراء الوقت أحياناً ضرورة سياسية، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوقت المشترى على حساب الأرض والسيادة والحقوق الوطنية. وعندها لا يعود السؤال: كم كسبنا من الوقت؟ بل يصبح السؤال الأكثر خطورة: ماذا خسرنا ونحن ننتظر؟
إن الجنوب اللبناني الذي يدفع اليوم ثمن العدوان بالدم والخراب يستحق من الدولة اللبنانية موقفاً يوازي حجم تضحياته. أما المفاوضات التي تجري تحت وقع القصف والدبابات والاحتلال، فإنها تظل محكومة بسؤال سيبقى مطروحاً حتى إشعار آخر: هل نحن أمام مسار لاستعادة الحقوق، أم أمام عملية تمنح العدو الوقت اللازم لترسيخ ما انتزعه بالقوة؟، اللهم بلغت اللهم فاشهد.



































