إبراهيم نصر يكتب: رحيل العوضى وأخلاق الفرسان


أذكر أننى كتبت أكثر من خمسة عشر مقالا، أفند فيها الأخطاء الفادحة والشبهات الخبيثة، التى كان يروج لها المدعو إسلام بحيرى، الذى يمثل تيارا معروفا بعدائه الشديد للدين والمتدينين، وحين صدر ضده حكما بالحبس فى قضية ازدراء الأديان توقفت تماما عن ذكره فى مقالاتى، حيث لم يعد قادرا على الرد من محبسه، فضلا عن توقف برنامجه الذى كان يبث من خلاله أفكاره المريضة.
لقد تعلمت ذلك من أساتذة كبار فى البلاط الصحفى الذى كانت له جلالة، حيث كانوا يتوقفون عن مهاجمة أحد إذا غاب عن الساحة بالموت أو السجن، والمقال لا يتسع لذكر أمثلة على ما كنا نعرفه بأخلاق الفرسان.
أقول ذلك الآن بسبب ما تشهده الأوساط الإعلامية فى مصر وخارجها مؤخراً من الجدل واللغط عقب وفاة الدكتور ضياء العوضي، أستاذ التخدير والرعاية المركزة بطب عين شمس، وصاحب نظرية "نظام الطيبات".
هذا الجدل، الذي تجاوز أحياناً حدود النقاش العلمي ليصل إلى التراشق والشماتة، وهذا يستدعي وقفة حاسمة لإنصاف الرجل من جهة، والتذكير بالقيم الإنسانية والدينية التي تحكم التعامل مع جلال الموت من جهة أخرى.
بداية، لا يمكن إنكار أن الدكتور ضياء العوضي - رحمه الله - لم يكن يبحث عن الشهرة الزائفة، بل كان طبيبا أكاديميا مرموقا تخرج في أعرق كليات الطب، ومشهود له من زملائه بالذكاء الحاد والتفوق العلمى فى كل مراحل الدراسة، وعندما ابتكر "نظام الطيبات" انطلق من رغبة حقيقية في مساعدة آلاف المرضى الذين استعصت مشكلاتهم الصحية على العلاج التقليدي.
لقد نجح هذا النظام، القائم على العودة للطبيعة وتجنب الأطعمة المصنعة والمليئة بالمواد الكيميائية، في تحسين جودة حياة الكثيرين وتخفيف آلامهم. وشهد له مئات المرضى بالتحسن والشفاء من أمراض مزمنة.
إن محاولة البعض تسفيه طبيعة عمل الرجل بعد وفاته هي قراءة قاصرة ومجحفة لجهد طبيب أفنى عمره في محاولات جادة لخدمة الناس، وتخليصهم من بروتوكولات العلاج التقليدى الذى يزيدهم مرضا فوق أمراضهم.
وأشد ما يؤلم في هذه الحالة ليس الاختلاف العلمي حول النظام الغذائي، فالاختلاف في الطب أمر طبيعي ومشروع، لكن المؤلم حقا هو غياب ثقافة احترام الموت، وتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتصفية الحسابات وتوجيه الإساءات لرجل فارق الحياة ولم يعد يملك حق الرد.
لقد وضع لنا الدين الإسلامي الحنيف دستورا أخلاقيا صارما للتعامل مع الموت، يتلخص في توجيه أخلاقى قديم يقول: "اذكروا محاسن موتاكم"، لأن للموت مهابة ينبغي أن تلجم الألسنة، وتدفع الجميع إلى الصمت تدبراً، أو الدعاء بالرحمة للمتوفى، ولأهله بالصبر والسلوان، فليس من المروءة ولا من أخلاق الفرسان أن نذكر الطبيب الراحل بسوء، أو أن نربط - بلا بينة - بين وفاته وبين نظامه الغذائي الذي كان يدعو إليه.
رحل الدكتور ضياء العوضي وترك خلفه علماً ينتفع به، ومرضى يدعون له بالخير، وسيرة طبيب حاول واجتهد. فالواجب الأخلاقي والانساني اليوم يلزمنا بإغلاق باب اللغط والجدل العقيم، وترك الأمور العلمية لتقييم المتخصصين في غرف البحث المغلقة، وليس على منصات "التريند".
رحم الله الدكتور ضياء العوضي، وغفر له، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
[email protected]



































