عماد حمدي منسي يكتب: حكايات بترولية.. كبرياء الحفار


الكبرياء يعني احتراماً للذات وشموخاً للنفس وإحساساً بالعزة والكرامة، ومن هنا يأتي ذكر الحفارات التي تعمل في مجال البترول؛ وهي منشآت هندسية متطورة مصممة خصيصاً لاختراق طبقات الأرض العميقة للوصول إلى مكامن الهيدروكربون، وتتنوع ما بين حفارات برية وحفارات بحرية مختلفة الأحجام، تعمل في مختلف المواقع حيث تمثل رمزاً للشموخ والتحدي وإرادة الإنسان في بيئات مختلفة شديدة الصعوبة.
إن رحلة عمل الحفار هي رحلة البحث والتنقيب عن الذهب الأسود... رحلة المغامرة التي يسبقها أمل وهدف، يقف فيها الحفار البحري مرتفع الهامة ويخترق عنان السماء، بينما قوائمه تتحدى الأمواج العاتية والرياح العاصفة لتثبت بكل قوة في قاع البحر، أما الحفار البري فيتعرض لدرجات حرارة مرتفعة جداً ورمالٍ متحركة؛ لتؤمن شريان الحياة للعالم وهو الطاقة.
فالهيكل المعدني يمثل رحلة تطور تكنولوجي ومهني، فبعد أن كانت تعتمد على القوة الميكانيكية، أصبحت الآن مزيجاً من الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد وغيرها من الوسائل التي تتطور يوماً بعد آخر، وتمتد إلى عقود من الكفاح والأمل في رحلة العالم للبحث عن الذهب الأسود، أساس التنمية والبناء.
وللحفار قوانينه الخاصة التي لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، حيث يخضع لمنظومة متكاملة من المعايير الدولية والمحلية التي تهدف إلى حماية الأرواح والبيئة وضمان استمرارية الإنتاج، من خلال معايير إدارة السلامة والصحة المهنية، واللوائح البيئية، والوقاية من التلوث، والمعايير الفنية والمعدات، والتشريعات والقوانين الوطنية.
أما المشهد فوق الحفار فهو مشهد يختلط فيه الواقع بالخيال، والأمل بالعمل، والإرادة بالإنتاج؛ مشهد مهيب حيث دقات القلب تدوي فتختلط مع ضجيج الماكينات وعرق العمال، ليشدو المكان بنغمات من الحب والأمل أثناء الصعود أو الهبوط على السلالم مع تغير في ضغط الهواء وفقدان لبعض التوازن، بينما العرق يسيل بكل غزارة تحت بدلة "السيفتي" الثقيلة الوزن، الزكية الرائحة؛ لأنها رائحة العمل والصبر والصمود.
إن نبض البئر يسري داخل العاملين كسريان الدم في شرايين الجسم، يقضون أياماً وأسابيع طويلة بعيداً عن عائلاتهم وحياة المدينة بكل مظاهرها، يعملون في نوبات متواصلة بصمت لضمان سلامة العمل واستمراريته، حتى يتدفق الزيت أو يندفع الغاز، فترتفع الأيدي بالدعاء بينما الشفاه تتمتم بالحمد والشكر لله، وهنا يبتسم الحفار بابتسامة المنتصر وهو يعلم أن مهمته قد نجحت، وأنها البداية وليست النهاية، لقد تحقق الهدف وبدأ جني الثمار.
إن كبرياء الحفار هو كبرياء صناعة البحث والمغامرة.. صناعة شاقة بدأت منذ سنوات طويلة وستظل.

.jpg)




.jpg)



.jpg)























