إبراهيم نصر يكتب: مع إشراقة العام الهجري الجديد.. وقفات للتأمل ومحطات للتغيير


مع إطلالة العام الهجري الجديد، تستقبل الأمة الإسلامية نفحات مباركة تستدعي التوقف والتأمل. إنها ليست مجرد ورقة تطوى من تقويم الزمان، بل هي محطة إيمانية متجددة تدعونا لدخول العام الجديد بقلوب مستبشرة ونفوس عازمة على البناء والعطاء، مستلهمين من ذكرى الهجرة النبوية الشريفة أعظم الدروس في التخطيط، والتوكل، والثبات على المبدأ.
إن أول ما ينبغي للمسلم أن يستقبل به عامه الجديد هو مراجعة الحسابات مع النفس: ماذا قدم فيما مضى، وماذا ينوي أن يقدم فيما يستقبل؟ فالزمن هو رأس مال الإنسان في هذه الحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ليحثنا على التدبر والنظر في العواقب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [الحشر: 18].
وتأتي هذه المحاسبة لتصحيح المسار وتجديد العهد مع الله، ليكون العام الجديد خطوة إلى الأمام في ميدان الطاعات والقربات، وتجاوزا لأخطاء الماضي وعثراته.
إذا كانت الهجرة النبوية المكانية من مكة إلى المدينة قد انتهت بفتح مكة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" (متفق عليه)، فإن جوهر الهجرة وروحانياتها باقيان ما دامت الحياة.
فالهجرة المتجددة في كل عام هي هجرة الذنوب والآثام، والرحيل بالقلب من غفلة الدنيا إلى طاعة الله رب العالمين. وقد صاغ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المفهوم التربوي العميق بقوله: "المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنه" (رواه البخاري).
إن العام الهجري الجديد فرصة عملية ليهجر المسلم الكسل إلى العمل، والخلاف إلى الوحدة، والمعصية إلى الطاعة.
وتأتي ذكرى الهجرة النبوية كل عام لنتعلم منها أن النصر والتمكين يولدان دائما من رحم المعاناة. فهذا هو النبى القدوة والمثل - صلى الله عليه وسلم - فى أحلك الظروف وأشدها ضيقا داخل غار ثور، وهو فى طريق الهجرة، يضرب أروع المثل فى التوكل واليقين بالله حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق بكل ثقة: "ما ظَنُّكَ يا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟" (متفق عليه).
وقد خلد القرآن الكريم هذا الموقف العظيم ليكون منهج حياة للأمة في مواجهة الأزمات، فقال تعالى: "إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا" [التوبة: 40].
إننا في استقبالنا للعام الجديد أحوج ما نكون إلى إحياء هذا اليقين، وتجديد الثقة بنصر الله وفرجه، والعمل الدؤوب لرأب الصدع ونشر قيم المحبة والسلام والتكافل بين أبناء الأمة.
ليكن هذا العام الهجري الجديد بداية لنهضة ذاتية تنعكس على المجتمع بأسره. فلنزرع فيه بذور الخير، ولنستغل الأوقات فيما يرفع قدرنا عند الله وفي الدنيا، سائلين المولى عز وجل أن يجعله عام خير وبركة، وأمن وأمان على أمتنا الإسلامية جمعاء.
كل عام أنتم إلى الله أقرب.
[email protected]




































