الدكتورة هبة يوسف تكتب: أزمة ثقة أم إفلاس واستجداء.. كيف يتحول الإعلام إلى مسرحية رديئة؟


في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل جدًا شراء المشاهدات وشراء المتابعين، ويبدو أن البعض قرر الانتقال إلى مرحلة جديدة تمامًا: شراء المحبة نفسها.
لم يعد الأمر يقتصر على محتوى ضعيف أو نسب مشاهدة متواضعة، بل وصل في بعض الحالات إلى صناعة مشهد كامل من الإعجاب المزيف على الهواء مباشرة.
متصلات لا يتحدثن إلا عن المذيعة وعظمتها وتأثيرها، وعبارات من نوع: "يا قلبي"، و"يا حبيبتي"، و"إحنا بنحبك أوي"، وكأن المشاهد يتابع جلسة دعم نفسي لمذيعة مهزوزة نفسيًا تدرك حجم فشلها، لا برنامجًا إعلاميًا.
المشكلة ليست في أن يحب الجمهور إعلاميًا أو إعلامية، فهذه نعمة يتمناها الجميع.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الحب نفسه منتجًا يتم تصنيعه داخل الاستوديو، وعندما يتحول التصفيق إلى ديكور، والإعجاب إلى فقرة معدة سلفًا.
الإعلامي الناجح لا يحتاج إلى شهود زور ليؤكدوا نجاحه. نجاحه يظهر في تأثيره، وفي احترام الناس له، وفي قيمة ما يقدمه.
أما من يحتاج كل يوم إلى من يرددون: "إحنا بنموت فيكي"، و"إنتِ الأهم"، و"إنتِ الأشطر"، فربما لا يحاول إقناع الجمهور بقدر ما يحاول إقناع نفسه.
المؤسف أن هذه المشاهد لا تثير الإعجاب بقدر ما تثير الشفقة؛ لأنها تكشف عن حالة من انعدام الثقة، وخوف حقيقي من مواجهة الواقع، ومحاولة مستمرة للهروب من سؤال بسيط جدًا:
إذا كان الجمهور يحبك فعلًا، فلماذا تحتاج إلى من يخبر الناس كل يوم أنه يحبك؟
ولماذا يبدو المديح متشابهًا، والعبارات مكررة، والمشاهد مصطنعة إلى هذا الحد؟
الحقيقة أن الجماهيرية لا تُستأجر، والمصداقية لا تُشترى، والاحترام لا يُصنع داخل غرف الإعداد.
قد تستطيع أن تستأجر متصلًا، أو ترتب مداخلة، أو تخلق لحظة إعجاب مصطنعة، لكنك لن تستطيع إجبار الناس على احترامك أو الاقتناع بك.
بعض الإعلاميين، عندما يواجهون تراجع التأثير أو ضعف الحضور، يختارون مراجعة أنفسهم وتطوير أدواتهم. والبعض الآخر يختار الطريق الأسهل: المزيد من المديح، والمزيد من التصفيق، والمزيد من الحب تحت الطلب.
وهنا نصل إلى أخطر درجات الإفلاس الإعلامي، عندما يتحول البرنامج من منصة إعلامية إلى جلسة استجداء للمحبة الزائفة.
وكأن لسان الحال يقول:
"قولي، ولو كذبتِ، كلامًا ناعمًا...
حبّوني أوي والنبي...
أصل الفشل محتاج حضن كبير."
لكن الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن الحب الحقيقي لا يُطلب، والاحترام لا يُستجدى، والجماهير لا تُستأجر.
فمن يملك القيمة والموهبة يكسب الناس.
ومن يفتقدهما، يبحث عن التصفيق المزيف.




































