الدكتور محمد سيد أحمد يكتب: غياب التوازن بين القوة والدبلوماسية!!


يمثل مفهوم التوازن بين القوة والدبلوماسية أحد الركائز الأساسية في إدارة العلاقات الدولية، حيث لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تعتمد على أدوات الضغط وحدها دون أن تفتح في الوقت ذاته قنوات للحوار والتسوية. وفي هذا السياق، يبرز نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران كنموذج دال على اختلال هذا التوازن، وهو ما انعكس بوضوح على مسار الأزمة وتعقيداتها.
فمنذ وصوله إلى السلطة، تبنى ترامب استراتيجية "الضغط الأقصى"، التي قامت على فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، إلى جانب خطاب سياسي حاد وإجراءات تصعيدية أعادت صياغة طبيعة العلاقة مع إيران. وقد مثل الانسحاب من الاتفاق النووي نقطة تحول مركزية، إذ ألغى إطارًا تفاوضيًا كان يمثل، بالنسبة لكثير من الأطراف الدولية، أداة لضبط التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
هذا التحول لم يمر دون اعتراض، فقد واجه انتقادات كبيرة داخل الإدارة الأمريكية، حيث رأى عدد من السياسيين والخبراء أن هذه السياسة تفتقر إلى رؤية متكاملة، وتعتمد على فرضية أن الضغط وحده كفيل بإجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية. كما عبر حلفاء أوروبيون عن قلقهم من أن يؤدي هذا النهج إلى تقويض الجهود الدبلوماسية التي استغرقت سنوات من التفاوض.
ورغم فرض المزيد من العقوبات على الاقتصاد الإيراني، فإن النتائج السياسية والاستراتيجية جاءت أقل من التوقعات. فلم يشهد النظام الإيراني تحولًا جوهريًا في سياساته، كما لم تتراجع قدراته الدفاعية بالشكل الذي كان يروج له. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن سياسة التصعيد دفعت طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز أدواتها لمواجهة الضغوط، بدلًا من الاستجابة لها.
من ناحية أخرى، أدى غياب المسار الدبلوماسي الفعال إلى تضييق مساحة الحلول السياسية. فالدبلوماسية لا تعني التنازل، بل تمثل آلية لإدارة الخلافات وتقليل المخاطر. وعندما تغيب هذه الآلية، يصبح التصعيد هو اللغة السائدة، ما يزيد من احتمالات سوء التقدير واندلاع مواجهات غير محسوبة. وتشهد المنطقة الآن بالفعل لحظات توتر يمكن أن تتطور إلى حرب مفتوحة، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة على الأمن الإقليمي والدولي.
في المقابل، يرى أنصار هذا النهج أن الحزم والضغط كانا ضروريين لإعادة رسم قواعد اللعبة، وأن الاتفاقات السابقة لم تكن كافية لضبط سلوك إيران على المدى الطويل. غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، خاصة في ظل غياب نتائج ملموسة تؤكد نجاح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها الكبرى، مثل الوصول إلى اتفاق جديد أكثر شمولًا أو تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني بشكل حاسم، خاصة في ظل الفشل في إسقاط النظام أو القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية.
ما تكشفه هذه التجربة هو أن الاعتماد المفرط على أدوات القوة دون مرافقتها بمسار تفاوضي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالقوة رغم أهميتها في بعض الأوقات، تحتاج إلى إطار سياسي يوجهها ويحدد أهدافها بدقة. وعندما تنفصل عن الدبلوماسية، تتحول من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى عامل يزيد من حدة التوتر.
ومن هنا يمكننا القول أنه عندما يبرز غياب التوازن بين القوة والدبلوماسية كإشكالية جوهرية في إدارة الأزمات الدولية. وتجربة ترامب مع إيران تقدم مثالًا حيًا على مخاطر هذا الاختلال، حيث أدت سياسات التصعيد غير المصحوبة برؤية تفاوضية واضحة إلى إطالة أمد الأزمة بدلًا من حلها. ومن ثم فإن أي مقاربة مستقبلية لهذا الملف أو لغيره من الملفات المعقدة يجب أن تنطلق من إدراك أن تحقيق الأمن والاستقرار لا يتم بالقوة وحدها، بل من خلال مزيج متوازن من الضغط والحوار، يفتح الطريق أمام حلول مستدامة ويجنب العالم مزيدًا من التوتر وعدم اليقين، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

.jpg)




.jpg)



.jpg)






















