أحمد نبوي: المفتي الراسخ يبني فتواه على حديث ثابت وفهم صحيح ودلالة منضبطة


قال الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إن الصنعة الحديثية تمثل أحد الضوابط العلمية الأساسية التي يحتاج إليها المفتي في بناء الحكم الشرعي، مؤكدًا أن السنة النبوية تحتل مكانة أساسية في استنباط الأحكام.
جاء ذلك خلال محاضرته بعنوان «الصنعة الحديثية وأثرها في الفتوى»، ضمن فعاليات دورة «منهجية الفتوى» التي تواصل دار الإفتاء المصرية تنظيمها، في ضوء توجيهات مفتي الجمهورية، في إطار اهتمامها بتأهيل المفتين وإكسابهم الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة العمل الإفتائي.
وأوضح نبوي أن التعامل مع الأحاديث لا يكون بمجرد الاطلاع على نصوصها، وإنما يتطلب معرفة دقيقة بقواعد علم الحديث ومناهج المحدثين في التحقق من الروايات ونقدها، خاصة أن الأحاديث تتفاوت من حيث الصحة والضعف والقبول والرد.
وأشار إلى أن شروط الحديث الصحيح تتمثل في اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وانتفاء الشذوذ، وانتفاء العلة، موضحًا أن دور المحدث في التحقق من ثبوت الحديث يسبق دور الفقيه في استنباط الحكم منه.
وأكد ضرورة التكامل بين التخصصين، موضحًا أنه لا يمكن بناء استدلال فقهي سليم على رواية لم يثبت أصلها، كما لا يغني ثبوت الحديث وحده عن فهم دلالته وتنزيله في موضعه الصحيح.
وتناول نبوي مسألة اختلاف المذاهب والاجتهادات الفقهية، موضحًا أن عدم تقيد الفتوى بمذهب واحد لا يعني التسيب أو التفلت، وإنما يتيح الاستفادة من الاجتهادات المعتبرة في إطار الضوابط العلمية والأصول الشرعية، بما يراعي اختلاف أحوال المكلفين وسعة الشريعة ومرونتها.
وبيّن أن عناية المحدثين بالسنة لم تقتصر على نقد الأسانيد، وإنما شملت المتون كذلك، لافتًا إلى أن الحكم على بعض الروايات قد يستند إلى قرائن تتعلق بمتونها، بما يدحض التصور القائل باقتصار الصنعة الحديثية على دراسة سلسلة الرواة.
وتناول جوانب من منهج الإمام البخاري في «صحيحه»، موضحًا أنه لا يضم الأحاديث المسندة فحسب، وإنما يشتمل كذلك على المعلقات وتراجم الأبواب التي تحمل دلالات فقهية وعلمية، الأمر الذي يستدعي فهم منهج المصنف ومقاصده عند قراءة الكتاب.
وشدد نبوي على ضرورة التمييز بين النص وفهم النص، موضحًا أن الخلل قد لا يكون في النص الشرعي، وإنما في طريقة فهمه أو إخراجه عن سياقه ومقاصده، وهو ما يظهر في بعض القراءات المنحرفة التي تستند إلى نصوص صحيحة لكنها توظفها في غير موضعها.
وأكد أن امتلاك المفتي قدرًا مناسبًا من الصنعة الحديثية يحمي عملية الاستدلال من البناء على الروايات غير الثابتة، كما يحول دون رد الأحاديث الصحيحة بسبب عدم الإحاطة بمناهج المحدثين، مشددًا على أن المفتي الراسخ هو الذي يجمع بين فقه الفقيه ودقة المحدث، ليبني فتواه على حديث ثابت وفهم صحيح ودلالة منضبطة.



























