محمد عبداللطيف يكتب: التائهون في الساحل الشمالي


قبل أيام سافرت إلى بلدتي "الوقف" بالصعيد الجواني، لقضاء إجازة قصيرة، حيث الأهل، والحنين لألفة البيوت، والحكايات المحفورة خلف تجاعيد وجوه الشيوخ والعجائز، ومزاح الأصدقاء، ورفاق السنوات البعيدة، ومقابر الأحباب، التي أزورها - عادتي كلما سافرت - أستلهم من صمت سكانها، الغائبين عن دنيانا، الحاضرين في ضمائرنا، العبر والقيم، التي ترسخت في وجداننا، فشكلت وعينا، وغرست فينا جينات نخوتنا، ميراثنا في هذا الزمن المعيوب.
وكنت أظن، وليست كل الظنون آثامًا، أنني بسفري سأنجو بنفسي وإنسانيتي بعض الوقت من الضجيج، وسيل الأكاذيب، لكن ظنوني لم تكن في محلها، فقد داهمتني بلا هوادة، أخبار عالم الساحل، المتناثرة على المواقع الإخبارية والبرامج الفضائية، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي راحت تفرد مساحات - بدت مريبة - عن رواده وحفلاته، والأرقام "الخزعبلية" المتداولة، لحجز مقاعد حضور تلك الحفلات، لمطربين يرتدون ملابس شاذة و"حلقان" وسلاسل في الرقبة، وأشياء أخرى، لا تليق بالرجال.
فما الذي يحدث في الساحل الشمالي؟ ربما يبدو السؤال غريبًا، باعتبار أن الغالبية يعرفون ويتابعون، مظاهر الانحلال والسفه والانحطاط والعري، في حفلات المجون والخلاعة.
وعلى أي حال، السؤال قفز إلى ذهني بصورة عفوية، كنوع من الاستنكار، وليس الاستفهام، لأن ما يحدث، ويتم تداوله على نطاق واسع، لا يعبر بأي صورة عن قيم المصريين، أو يقترب من تقاليدهم المتوارثة، والتي حافظت لهم على مدى قرون من الزمن، تفردهم عن بقية المجتمعات الأخرى،
وبعيدًا عن المليارات التي تنفق بسفه، وبالمناسبة هي تكفي لسداد جزء كبير من الديون، لديَّ بعض التساؤلات، التي أظن أنها مشروعة، هل هؤلاء الشباب المغيبون، يصلحون لأن يكونوا صناعًا للمستقبل، وهل الفتيات شبه العاريات، اللاتي يكشفن بوقاحة، بطونهن وصدورهن، يصلحن أمهات ومربيات للأجيال القادمة؟.
المهم في هذا كله، لا أحد من هؤلاء المحسوبين زورًا على فئة البشر، لديه أدنى علاقة أو دراية بما يعانيه البلد من مشكلات اقتصادية مزمنة، وأمنية ملتهبة، جعلت الدولة مثل جزيرة محاطة بالنيران من كل اتجاه، والتربص بنا لا يتوقف، ولن يتوقف،
وهذا يقودنا لسؤال مهم، بل مهم جدًا، هل هذه الفئة قادرة على تحمل مسؤولية قيادة هذا البلد مستقبلًا؟
يقينًا لا.. فهم غارقون في ملذاتهم، وسفه إنفاقهم، الذي يكشف بجلاء، أنهم يعيشون في وادٍ آخر غير وادينا، وأنهم من عالم آخر، ودولة أخرى غير مصر، التي نعيش فيها، ندافع عنها ضد أعدائها، نحزن لانكساراتها، ونغني لانتصاراتها.
أنا هنا لا أتحدث عن حجم الإنفاق والبذخ والسفه، وإن كان مهمًا إلقاء الضوء على كل ذلك، من باب كيف جاءت هذه الثروات؟ وهل هناك جهات رسمية، ترصد وتتابع وتراقب مصادر الثراء، الذي يقف خلف الإنفاق غير المبرر، و..و.. إلخ.
فلماذا يركز الإعلام الرسمي وغير الرسمي على تلك الفئة؟ ويمطر الناس بأخبارهم المستفزة، وهل انحدرت وسائل المعرفة ونقل المعلومات إلى هذا المستوى المتدني، لتخصيص مساحات عن قصص وحكايات حفلات زواج كلابهم، وهدايا أعياد ميلاد قططهم، ومن دفع، ومن دفعت مئات الآلاف من الجنيهات لمشاهدة مغنٍ تافه، لا يصلح للغناء في "تياترو" أي مولد من الموالد بمنطقة نائية، وما المغزى من الإصرار على فتح ماسورة الأخبار والصور والفيديوهات؟
يا سادة.. أتابع ما يطرحه البعض في استغراب واستهجان، لما وصلت إليه وسائل المعرفة والإعلام من صحافة وفضائيات ومواقع إخبارية، وليس انتهاءً بمنصات التواصل الاجتماعي، وكيف فقد المجتمع بوصلته وصوته، فبدلًا من إلقاء الضوء على التدهور الاجتماعي، وأسباب الظواهر الدخيلة ونموها، ومصادر المال المشبوه، والتحقق من شرعية الحصول عليه، راحت تمطرنا بالأخبار المستفزة.
الخلاصة.. الموضوع بالنسبة لي، لا يتعلق بالفقر أو الثراء، ولا السفه في الإنفاق، وإن كان مهمًا تسليط الضوء على ذلك، كما أسلفت القول، فكل المجتمعات بها الفقير والغني، لكن هناك ضوابط وخيط رفيع، يفصل بين الرفاهية والسفه، ويجب التعامل مع الخيط الفاصل بحذر شديد، قبل أن يتنافر المجتمع، وتتنـامى وتيرة الحقد الطبقي، ويتمزق النسيج الوطني بفعل فاعل، فالقاعدة الآن تدور في فلك محدد، من يملك يعيش ويعالج ويلهو، وينفق بسفه على حفلات طلاق الكلاب، وزواج القطط، ويتنافس على حضور حفلات مهرج شاذ، وليذهب الفقير إلى الموت جوعًا ومرضًا، دون أن يلتفت إليه أحد، فهناك غالبية تائهة، مطحونة حتى النخاع، لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها الضرورية للمعيشة، ناهيك عن عجزها عن ملاحقة فواتير الخدمات، وهذا بخلاف التائهين في الساحل الشرير.
قصد القول، أن الذوق العام تدنى، وتهاوى إلى الحضيض، فالسلوكيات الشاذة، صارت عادية في عرف فئة منا، بل ومدعاة للتفاخر والتباهي، رغم تنافرها مع الواقع وسلوكيات المجتمع، وهذا ينذر ببداية انهيار القيم، لكن يظل السؤال ملحًا، كيف سقطنا إلى هذا المستنقع؟ ولماذا الصمت على تشويه القيم المتوارثة، واغتيال بكارتها وعفتها، وتحويلها إلى ملهاة منبوذة رخيصة، تشارك في ترويجها "الميديا" التي تلهث وراء الأخبار الرخيصة، وما الذي جعل امرأة مسنة؟ تقبل بلا خجل، أن تكون كومبارس في تمثيلية حقيرة، تدعي فيها كذبًا بيع "جاموستها"، ثروتها وضمان استقرار حياة، كأي أسرة فقيرة في الريف، لتحضر حفلًا ماجنًا، لمهرج عار، سمها ما شئت، عار من العار، أو من العري، فكلاهما عار، كما أن أداءه البهلواني الرخيص، لا يمت للفن أو الغناء بصلة، لكنه
مدعوم من مخنثين وجمهور شبه مغيب، يدفع الملايين، بلا وعي، ليدمر ما تبقى من أخلاقيات.
يقينًا.. نحن في أزمة حقيقية، أزمة تحتاج إلى وقفة جادة، لضبط إيقاع السلوك الجمعي، سواء على المستوى الشعبي، أو على مستوى القوة الناعمة، قبل أن تفقد مصر أهم عناصر قوتها وريادتها، وهو الفن الذي جعلها في صدارة بلدان المنطقة، في الطرب والسينما والدراما والمسرح، ليت قومي يدركون حجم الكارثة، ويستيقظون قبل فوات الأوان.


.png)

































