مقالات

مديحة عاشور تكتب: حين اجتمع نور مريم بنور محمد

خط أحمر

ما أجمل أن تأتي المناسبات الدينية أحيانًا وكأنها تحمل رسالة تتجاوز حدود الزمن والمواعيد، فتلتقي في أسبوع واحد، لا لتتزاحم، وإنما لتتناغم، وكأن السماء تذكّرنا بأن القلوب المؤمنة، مهما اختلفت طرق عبادتها، يمكن أن تلتقي عند المحبة والسلام.
هذا العام، جاء عيد السيدة العذراء مريم متجاورًا مع احتفال المسلمين بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاجتمع في أيام قليلة الاحتفاء بامرأة اختارها الله وطهّرها واصطفاها، والاحتفاء بنبي جاء رحمة للعالمين.
وللسيدة مريم في قلوب المسلمين مكانة عظيمة، فهي ليست فقط أم السيد المسيح في العقيدة المسيحية، وإنما هي في القرآن الكريم امرأة اصطفاها الله وطهّرها ورفع قدرها، حتى حملت سورة كاملة اسمها: «مريم». امرأة آمنت، وصبرت، وتحملت ما لا تحتمله القلوب، وظلت نموذجًا للطهر والعفة والإيمان.
وفي المقابل، يأتي مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، النبي الذي وصفه القرآن بأنه «رحمة للعالمين»، والذي كانت رسالته دعوة إلى الرحمة، والتسامح، وحفظ الكرامة الإنسانية، وإعلاء قيم المحبة والعدل والسلام.
وحين أتأمل اجتماع المناسبتين في أسبوع واحد، أشعر أن في الأمر جمالًا رمزيًا خاصًا؛ فمريم تحمل في وجداننا معنى الطهر والصبر والإيمان، ومحمد يحمل معنى الرحمة والهداية والإنسانية. وبين الطهر والرحمة مساحة واسعة يمكن أن يسكن فيها الإنسان، أيًّا كان دينه.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نتذكر هذه المعاني بعيدًا عن كل ما يحاول أن يصنع مسافات بين أبناء الوطن الواحد. فالأعياد الدينية ليست مجرد طقوس ومظاهر احتفال، وإنما هي مناسبات تعيدنا إلى أجمل ما في الإنسان: إلى الإيمان، والمحبة، والتسامح، والرحمة.
وفي مصر تحديدًا، لا تبدو هذه المناسبات غريبة عن بعضها؛ فنحن أبناء وطن اعتاد أن يرى في فرح الآخر فرحًا له، وفي مناسبة جاره مناسبة تستحق التهنئة، وفي المعبد والكنيسة والمسجد ملامح من روح مصر التي عاشت قرونًا وهي تعرف كيف تجمع ولا تفرق.
ربما يكون أجمل ما في هذا الأسبوع أن مريم ومحمد يلتقيان في وجدان المصريين، لا باعتبارهما عنوانين لمناسبتين دينيتين فحسب، وإنما باعتبارهما رمزين لمعانٍ إنسانية نحن في أشد الحاجة إليها.
فكل عام والسيدة مريم حاضرة في قلوب محبيها رمزًا للطهر والصبر والإيمان، وكل عام وسيدنا محمد حاضر في قلوب المسلمين نورًا ورحمة وهداية.
وكل عام ومصر قادرة على أن تجعل من اختلاف مناسباتها الدينية تنوعًا جميلًا، ومن تنوعها مصدرًا للمحبة، ومن إيمان أبنائها جسرًا يصل القلوب ببعضها.
إنها ليست مصادفة في التقويم بقدر ما هي فرصة لأن نتذكر أن السماء، حين تضيء القلوب، لا تسألها عن اختلاف أعيادها، وإنما عن مقدار ما حملته من حب ورحمة.
مريم ومحمد... أسبوع واحد، ونوران يذكراننا بأن المحبة أوسع من الاختلاف، وأن الوطن حين يتسع للجميع يصبح عيده الحقيقي هو أن يرى أبناءه معًا.

مديحه عاشور حين اجتمع نور مريم بنور محمد خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة