مقالات

د. أحمد محمد خليل يكتب: كليات القمة… بين الدرجات والقدرات

خط أحمر

بعد انتهاء ماراثون الثانوية العامة في مصر، تتجه أنظار الطلاب وأسرهم نحو مرحلة فارقة، وهي اختيار الكلية المناسبة. وفي خضم هذا السباق، يظل مصطلح "كليات القمة" حاضرًا بقوة، لكنه غالبًا ما يُختزل في مجرد مجموع درجات، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
إن كليات القمة ليست اسمًا ثابتًا أو قائمة محددة، بل هي تلك التي تتوافق مع ميول الطالب وقدراته. فالتاريخ مليء بنماذج بشرية أثبتت أن النجاح لا يرتبط بنوع الكلية، بل بمدى الشغف والإبداع فيها. ولعل العالم المصري الدكتور أحمد زويل، الحاصل على جائزة نوبل، خير مثال على أن القمة الحقيقية تُصنع بالاجتهاد والتفوق في التخصص، لا بمجرد الالتحاق بكلية بعينها. وعلى المستوى العالمي، نجد بيل جيتس، الذي ترك دراسة القانون واتجه إلى شغفه في البرمجة ليؤسس شركة "مايكروسوفت"، وستيف جوبز، الذي لم يكمل تعليمه الجامعي، لكنه أصبح رمزًا عالميًا في الابتكار التكنولوجي. وفي عالمنا العربي، تتعدد النماذج لمبدعين في مجالات الأدب والترجمة والإعلام، صنعوا نجاحهم حين اكتشفوا ذواتهم.
كما أن تجارب الدول المتقدمة تؤكد هذا المعنى؛ ففي فنلندا، على سبيل المثال، يتم توجيه الطلاب وفقًا لميولهم منذ مراحل مبكرة، ولا يُنظر إلى التعليم من زاوية "القمة" و"القاع"، بل من زاوية الإتقان والجودة. وفي ألمانيا، يحظى التعليم الفني والتطبيقي بنفس التقدير الذي تحظى به التخصصات الأكاديمية، لأن سوق العمل يحتاج إلى تنوع في المهارات، لا إلى تكدس في مجالات بعينها.
ولعل الواقع التعليمي المعاصر يكشف بوضوح أن مجموع الدرجات لم يعد المعيار الحاسم كما كان في السابق؛ إذ ظهرت مسارات تعليمية بديلة، مثل الجامعات الخاصة والدولية، التي تتيح الالتحاق بتخصصات متميزة بمجموعات أقل، لكنها في المقابل تتطلب رسومًا دراسية مرتفعة قد لا تتناسب مع قدرات كثير من الأسر. وهذا يطرح تساؤلًا مهمًا حول عدالة تكافؤ الفرص، ويؤكد أن الالتحاق ببعض التخصصات لم يعد مرتبطًا فقط بالكفاءة العلمية، بل بات يتأثر أيضًا بالإمكانات المادية. ومع ذلك، فإن هذا الواقع—سواء اتفقنا معه أو اختلفنا—لا يغير من الحقيقة الأساسية، وهي أن النجاح الحقيقي لا يرتبط بنوع المؤسسة التعليمية أو تكلفة الدراسة فيها، بقدر ما يرتبط بقدرة الطالب على الاجتهاد، واستثمار ما يتاح له من فرص، وتنمية مهاراته باستمرار.
وبالتالي، فإن سوق العمل اليوم لم يعد يعترف بالشهادات وحدها، بل يقدّر المهارات، والقدرة على التعلم المستمر، والابتكار. لذلك، فإن الطالب الذي يختار تخصصًا يحبه، سيكون أكثر قدرة على التفوق فيه، مقارنة بمن يسير خلف تصنيفات مجتمعية قد لا تناسبه. وفي هذا السياق، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، في إشارة واضحة إلى أن قيمة الإنسان بما يبذله من جهد، لا بما يحمله من مسميات.
وفي الختام، يجب إعادة تعريف مفهوم "كليات القمة" في وعينا الجمعي؛ فالقمة الحقيقية ليست في اسم الكلية، بل في أداء الطالب داخلها. وكما تقول الحكمة: "اعمل ما تحب، تُبدع فيما تعمل". اختر ما تحب، وأتقن ما تختار، وستصنع لنفسك مكانًا في القمة، مهما كان الطريق. وللحديث بقية إن شاء الله.

[email protected]

د. أحمد محمد خليل كليات القمة بين الدرجات والقدرات خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة