الدكتور أحمد عبود يكتب: احتلال العقول قبل احتلال الأوطان


كتب غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" أن الإنسان عندما يصبح جزءًا من حشد كبير قد يتصرف بطريقة تختلف عن سلوكه الفردي، وأن الجماهير تتأثر بالعاطفة والإيحاء وتكرار الرسائل أكثر من تأثرها بالنقاشات المعقدة. كما رأى أن القائد أو صاحب الرسالة المؤثرة يستطيع توجيه الرأي العام إذا نجح في مخاطبة مشاعر الناس وصياغة أفكار بسيطة يسهل تداولها. ورغم أن كثيرًا من أفكاره خضعت للنقد والتطوير في علم النفس الحديث، فإن الكتاب لا يزال من أهم الأعمال التي تناولت سلوك الجماعات وكيفية تشكل الرأي العام.
وعندما ننظر إلى ما شهدته المنطقة العربية خلال العقد الماضي، نجد أن الثورات والاحتجاجات جاءت في سياقات معقدة، ارتبطت بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية في عدد من الدول. وفي الوقت نفسه، يرى بعض الباحثين في الدراسات الأمنية والإعلامية أن الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام ومنصات التواصل لعبت دورًا في تسريع تداول المعلومات، وتضخيم بعض الأحداث، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، وهو ما يتقاطع في بعض جوانبه مع أفكار لوبون حول سرعة انتقال المشاعر والأفكار داخل الجماهير.
ومن هنا برز الحديث عن حروب الجيل الرابع، وهي فكرة تُستخدم في بعض الأدبيات لوصف صراعات لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تشمل أيضًا الحرب النفسية، والدعاية، والمعلومات المضللة، واستغلال الانقسامات الداخلية، والتأثير في الثقة بين المجتمع ومؤسساته. إلا أن هذه المفاهيم لا تعني أن كل حركة احتجاج أو ثورة كانت نتيجة لتلك الأدوات وحدها، بل إن الأحداث الكبرى غالبًا ما تتداخل فيها الأسباب الداخلية مع محاولات التأثير الخارجي بدرجات تختلف من حالة إلى أخرى.
ويبقى الدرس الأهم للحكومات العربية أن قوة الدولة لا تُبنى بالأجهزة الأمنية وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بثقة المواطن في مؤسساتها. فكلما نجحت الدولة في تحقيق العدالة، وتحسين مستوى المعيشة، ومكافحة الفساد، وفتح قنوات الحوار، وتقديم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الشائعات ومحاولات التأثير الخارجي. فالمواطن الذي يشعر بالكرامة والإنصاف يكون أقل قابلية للانجراف خلف الدعوات المضللة أو الروايات غير الموثقة.
إن احتلال الأرض قد يحتاج إلى جيش، أما احتلال العقول فلا يحتاج إلا إلى معلومة مضللة، أو شائعة متكررة، أو استغلال لحالة من الغضب واليأس. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في أمن الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن الوعي يظل الحصن الأول في مواجهة كل أشكال الصراع الحديثة.


.png)


































