خارجي

فرنسا تخوض معركة وطنية ضد حرائق الغابات| استنفار عسكري وأوروبي لوقف زحف النيران

خط أحمر

تعيش فرنسا أياماً عصيبة ومأساوية مع استمرار اشتعال حرائق الغابات في عدة مناطق من البلاد، ولاسيما في الجنوب والجنوب الغربي، حيث تحول إقليم "جيروند" والمناطق المجاورة إلى ساحة مواجهة مفتوحة ضد نيران غير مسبوقة.

ودخلت البلاد رسمياً في حالة استنفار شامل تتداخل فيه الجهود العسكرية والمدنية والدولية للسيطرة على كوارث بيئية وإنسانية تتجاوز في حدتها أسوأ ما سجلته البلاد في تاريخها الحديث.

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن نظام المعلومات الأوروبي لحرائق الغابات (EFFIS)، تحول عام 2026 إلى العام الأكثر تدميراً للغطاء النباتي في تاريخ فرنسا منذ بدء التسجيلات الفضائية؛ فقد التهمت ألسنة النيران حتى الآن ما يزيد عن 69,473 هكتار منذ بداية العام، متجاوزة الرقم القياسي المسجل في عام 2022 (66,300 هكتار). وما يزيد من خطورة الوضع أن شهر يوليو الجاري أصبح الشهر الأكثر قسوة وشراسة، لينضم إلى جبهة الحرائق المبكرة التي شهدتها البلاد في فبراير الماضي، مما يعكس تحولاً مناخياً خطيراً في سلوك الحرائق.

وفي توصيفه لخطورة الموقف، كشف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن فرنسا تعيش وضعاً غير مسبوق، حيث تواجه ما يُعرف بـ"الحريق الحملي".

وعلمياً، لا يرتبط هذا المصطلح بنوعية الأشجار أو مصدر الإشعال، بل بظاهرة ديناميكية مروعة: حيث ينتج عن الحريق عمود هائل من الهواء الساخن الصاعد الذي يولد حركة أوراق وهواء عنيفة للغاية، تجعل الحريق يخلق رياحه الخاصة ويتجاهل اتجاهات الرياح العامة للمنطقة.. وهذا السلوك يمنح ألسنة النيران قدرة على الاندفاع السريع والمباغت، وتغيير اتجاهاتها بشكل مفاجئ، مما يشكل تهديداً مباشراً لحياة فرق الإطفاء ويحيل عمليات الميدان إلى مهمة معقدة للغاية.

وأمام الزحف السريع للنيران باتجاه ضواحي مدينة بوردو ومناطق "لاند"، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو حالة الاستنفار وإجلاء أكثر من 141 ألف شخص، كما ترأس في وقت متأخر من مساء /الجمعة/ اجتماع خلية الأزمة الوزارية المشتركة، معلناً اتخاذ قرارات حاسمة لحماية أرواح المواطنين.

وقال رئيس الوزراء: "في إقليم جيروند، نحن أمام حريق حملي يخلق رياحه الخاصة ويسرع انتشاره.. أولويتنا قصوى وواضحة، وهي حماية الأرواح، ولن نأخذ أي مخاطرة عندما يتعلق الأمر بسلامة الفرنسيين".

وشملت القرارات الحكومية العاجلة رفع أعداد القوات العسكرية المشاركة إلى أكثر من 1000 جندي في الميدان لدعم رجال الإطفاء، وإجلاء وقائياً صارماً شمل سبع بلديات جديدة على أبواب مدينة بوردو.

كما قررت الحكومة إرسال 1.5 مليون كمامة (FFP2) بشكل عاجل لـ"جيروند" لحماية السكان والفرق الميدانية من الدخان السام، إضافة إلى تفعيل "الخطة البيضاء" في المستشفيات، وتسخير معدات البناء ووسائل النقل العام لخدمة عمليات الإنقاذ، ونشر وحدات إضافية من الشرطة والدرك للحد من أعمال السرقة والنهب في المناطق المهجورة.

كما شدد لوكورنو على نشر تدابير حماية خاصة حول المواقع والمنشآت الصناعية المصنفة ضمن مصانع "سيفيسو" (Seveso)، وهي المواقع عالية الخطورة التي تخزن مواد كيميائية أو خطرة، نظراً لطبيعة المواد المخزنة بها ولتفادي أي كوارث صناعية مضاعفة.

وفي قلب مدينة بوردو، وهي إحدى أكبر المدن الفرنسية، تحول مركز المعارض إلى مأوى رئيسي يستقبل ما بين 5000 و6000 مُجلى مع قابلية لاستيعاب 10 آلاف شخص عند الضرورة.

ولم تتوقف أبعاد الكارثة عند الخسائر المادية وتشريد آلاف السكان، بل امتدت لتشمل "كارثة بيئية وحيوانية" مؤلمة في غابات "جيروند" و"لاند"؛ حيث نفقت أعداد كبيرة من الحيوانات داخل ألسنة النيران المشتعلة، بينما أظهرت مقاطع الفيديو هروب أعداد هائلة من الخنازير البرية والأيائل والغزلان والأرانب البرية، بعدما دمرت النيران بيئتها الطبيعية ومصادر غذائها، لتجبرها على الفرار والنزوح الجماعي نحو الطرقات والمناطق المفتوحة.

وتواصل الحكومة بلهجة شديدة دعوتها للجميع بعدم التوجه للمناطق المتضررة والالتزام الكامل بتعليمات السلطات.. ولضمان سلامة التنقل، دعت شركة القطارات الوطنية الفرنسية (SNCF) جميع المسافرين إلى تأجيل رحلاتهم إلى مناطق الجنوب الغربي حتى يوم الاثنين، مع إتاحة إمكانية إلغاء أو تغيير التذاكر مجاناً.

وأمام هذه المأساة الوطنية، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون توجيه الأوامر للجيش للتدخل بحد أقصى لدعم هيئة الدفاع المدني، موجهاً الشكر لرجال الإطفاء وفرق الإنقاذ على شجاعتهم الاستثنائية.

كما أعلن ماكرون تفعيل فرنسا لآلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، حيث بدأت البلاد في تلقي دعم جوي عاجل يشمل طائرتي "كانادير" من كرواتيا، وطائرتي "إير تراكتور" من البرتغال، ومروحيات ثقيلة من طراز "بلاك هوك" من التشيك وسلواكيا.

ومن جهتها، أكدت وزيرة الجيوش كاترين فوتريان، عقب اجتماع أزمة صباح اليوم /السبت/ مع رئيس أركان حرب الجيوش الجنرال فابيان ماندون في مقر الوزارة، أن الجيش يضع كل إمكانياته من سلاح المهندسين والخدمات الطبية وعناصر عملية "سانتينيل" في خدمة تلك المعركة الوطنية.

وفي سياق متصل، طلب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من القوات المسلحة التسريع بنشر طائرة النقل العسكري "إيرباص A400M" بشكل عاجل واعتباراً من اليوم لإسقاط المياه فوق حرائق "جيروند"، وذلك لأول مرة وفي استخدام عسكري نادراً ما يشهده الميدان.

وأوضحت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون أن الطائرة مزودة بنظام خاص يسمح بفرغ حمولة من المياه تعادل "ما تلقيه ثلاث طائرات كانادير مجتمعة".

ومع استمرار اشتعال الجبهات وزحف النيران نحو أطراف مدينة بوردو، المشهورة عالمياً بحقول كروم العنب، يزداد قلق فرق الإطفاء المنهكة من سقوط المزيد من الضحايا، بعد الفاجعة التي أودت بحياة اثنين من رجال الإطفاء في منطقة "ميرينياك".

وفيما تسود حالة من الترقب والحذر، تأمل فرنسا أن تساهم العواصف الرعدية المتوقعة جنوبي البلاد في كبح جماح أعتى حريق تشهده الأراضي الفرنسية في تاريخها الحديث.

فرنسا معركة وطنية حرائق الغابات استنفار عسكري وأوروبي خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة