خط أحمر
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 11:38 صـ
خط أحمر

صوت ينور بالحقيقة

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

رئيس مجلس الإدارة محمد موسىنائب رئيس مجلس الإدارةهشام موسي

مقالات

د. محمد سيد أحمد يكتب: استيقظت من الحلم على وطن عربي مكسور !!

خط أحمر


اقتربت الذكرى السادسة والخمسون لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر، الذي رحل في 28 سبتمبر 1970، فرأيته في المنام. لم يكن المشهد صورة قديمة في كتاب تاريخ، ولا خطابًا مسجلًا على شاشة، وإنما كان الرجل يمشي أمامي بين الناس كما لو أن نصف قرن ونيف لم تمر. كان العمال والفلاحون والطلاب والنساء يحيطون به، وكانت الوجوه تحمل شيئًا افتقدناه كثيرًا: الإحساس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم. اقتربت منه وسألته: ماذا كنتم تحلمون؟ لم يجبني مباشرة، وإنما أشار إلى الطريق وقال: تعال لترى. مشيت بجواره، فإذا بي أدخل إلى زمن كان فيه الحديث عن الاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية حديثًا عن مشروع للمستقبل، لا مجرد ذكرى نستعيدها كل عام.

رأيت مصنعًا ضخمًا تضج فيه الآلات، وعمالًا يخرجون منه مرفوعي الرأس، لا لأنهم أغنياء، وإنما لأنهم يشعرون أن عملهم جزء من بناء وطنهم. ثم وجدت نفسي في قرية مصرية، ورأيت فلاحين يمتلكون الأرض التي يزرعونها، وأبناءهم يتجهون إلى المدارس والجامعات. قال لي عبد الناصر إن الإصلاح الزراعي لم يكن مجرد توزيع للأرض، وإنما كان محاولة لتغيير البناء الاجتماعي نفسه، وإنهاء احتكار فئة محدودة لجزء كبير من الثروة الزراعية، وفتح الطريق أمام معدومي الحيازة للصعود الاجتماعي. ثم أخذني إلى مدرسة ومستشفى، وقال: هنا يصبح التعليم حقًا، وهنا يصبح العلاج حقًا، وهنا لا يكون مستقبل الإنسان مرهونًا بالكامل بمقدار ما يملك أبوه من مال. ورأيت مؤسسات العمل والتأمين الاجتماعي، فأدركت أن المشروع كان يريد أن يجعل للدولة مسؤولية مباشرة عن حماية الإنسان في العمل والمرض والعجز والشيخوخة.

ثم دخلنا قاعة سياسية كبيرة، فوجدت العامل والفلاح والمرأة في قلب المشهد السياسي، بعد سنوات طويلة كان فيها الفقراء والكادحون بعيدين عن مواقع التأثير وصنع القرار. سمعت الحديث عن تمثيل العمال والفلاحين بنسبة لا تقل عن خمسين في المائة في المجالس النيابية والتنظيمات السياسية، وعن تحالف قوى الشعب العامل. لم أفكر وقتها في الجدل النظري حول طبيعة ذلك النظام السياسي، وإنما رأيت المعنى الاجتماعي الذي كان الحلم يستحضره: إنسان كان مهمشًا أصبح له صوت، وفلاح كان مستبعدًا أصبح له موقع، وعامل كان يُنظر إليه باعتباره قوة إنتاج فقط أصبح جزءًا من الخطاب السياسي للدولة. وسمعت في الخلفية ذلك الشعار الذي هز وجدان أجيال: "ارفع رأسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستعباد". بدا لي أن المسألة لم تكن مجرد كلمات، وإنما محاولة لبناء شعور جديد بالكرامة والانتماء والمواطنة والصعود الاجتماعي.

ثم أخذني إلى السد العالي. وقفت أمامه طويلًا، ورأيت الماء يمتد في الأفق، وشعرت أنني أمام أكثر من مشروع هندسي؛ كنت أمام رمز لفكرة الدولة التي تريد أن تمتلك قرارها، وتتحكم في مواردها، وتبني اقتصادها بقدراتها، وتقاوم التبعية. ورأيت المصانع والمشروعات الزراعية والمشروعات القومية، وفهمت أن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يعيش طويلًا إذا كان الاقتصاد مرتهنًا للخارج. وفي زاوية بعيدة كانت خريطة الوطن العربي تمتد من المحيط إلى الخليج، وكان عبد الناصر يتحدث عن الوحدة العربية لا باعتبارها حلمًا عاطفيًا فقط، وإنما باعتبارها ضرورة سياسية واقتصادية واستراتيجية، وعن فلسطين باعتبارها قضية عربية مركزية لا يمكن أن تستقيم فكرة الأمن والكرامة العربية مع تجاهلها.

وفجأة انطفأت الأنوار. اختفى صوت الآلات، وأصبح المصنع الذي رأيته قبل لحظات صامتًا. خرجت إلى الشارع فلم أجد العامل الذي كان يعود من مصنعه معتزًا بعمله، وإنما رأيت شابًا يحمل شهادته ويبحث عن فرصة، وعاملًا يخشى الغد، وأسرة تحاول أن تحافظ على مستوى معيشي كانت تعتبره بالأمس أمرًا طبيعيًا. دخلت مدرسة، فوجدت أبًا يحسب تكاليف الدروس، ثم دخلت مستشفى، فوجدت أسرة تحسب تكاليف العلاج. وفي المدينة رأيت الطبقة الوسطى تتآكل تحت وطأة أعباء الحياة، ورأيت الفقراء والكادحين يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية. بدا لي أن التعليم والصحة والعمل والتأمين الاجتماعي، وهي المجالات التي ارتبطت في الذاكرة المصرية بفكرة الدولة الاجتماعية، أصبحت في نظر قطاعات واسعة شديدة الارتباط بالقدرة الاقتصادية على الدفع، وأن الفقر لم يعد مجرد نقص في الدخل، بل أصبح تهديدًا لفرص الإنسان في المستقبل.

خرجت من المدينة إلى القرية، فإذا بالفلاح يقف أمام أرضه مثقلًا بتكاليف الإنتاج ومشكلات المعيشة، وأبناء الريف يبحثون عن أبواب أخرى للرزق. ثم رأيت مصانع أخرى مغلقة أو تغيرت أدوارها وملكيتها، وسمعت كلمات لم أفهم كيف دخلت قاموسنا بهذه القوة: القروض، الديون، التبعية، بيع الأصول، الخصخصة، أعباء المعيشة. لم أكن أمام اقتصاد يعيش فقط أزمة عابرة، وإنما أمام سؤال أكبر عن معنى الاستقلال الاقتصادي في زمن أصبح فيه الدين الخارجي والتمويل والارتباط بالاقتصاد العالمي عناصر حاضرة بقوة في القرار الاقتصادي. ورأيت القطاع العام الذي كان أحد أعمدة المشروع الصناعي الوطني يتراجع، ورأيت الفلاح والعامل والطبقة الوسطى يدفعون، كل بطريقته، ثمن التحولات الاقتصادية والاجتماعية القاسية.

ثم رفعت رأسي نحو الخريطة العربية، وكانت الصدمة أقسى من كل ما رأيت. لم تعد الخريطة التي رأيتها في بداية الحلم؛ كانت مليئة بالشقوق والحرائق. حروب أهلية، دول ممزقة، مدن مدمرة، شعوب نازحة، صراعات طائفية ومذهبية وسياسية، وتدخلات خارجية، وثروات عربية هائلة لا تتحول إلى قوة عربية مشتركة. وفي وسط الخريطة كانت فلسطين تنزف، وكأن الزمن لم يتقدم بنا إلا ليضاعف حجم الجرح. سألت نفسي: كيف وصلنا من حلم الوحدة العربية إلى هذا التناحر؟ كيف تحولت الحدود من خطوط سياسية إلى حواجز نفسية وسياسية بين شعوب تجمعها اللغة والتاريخ والثقافة والمصالح؟ وكيف أصبح العربي يرى أخاه العربي أحيانًا من خلال عدسة الصراع والخلاف بدلًا من أن يراه شريكًا في المصير؟

في تلك اللحظة رأيت عبد الناصر يقف بعيدًا، ينظر إلى المشهد كله. قلت له: هل كان حلمكم كاملًا؟ لم يجبني. قلت: وهل كانت تجربتكم بلا أخطاء؟ ظل صامتًا. ثم قلت: إذن لماذا نعود إليك بعد كل هذه السنوات؟ اقترب مني وقال: "لا تبحثوا عن الأشخاص، ابحثوا عن الأفكار". ثم اختفى. استيقظت مذعورًا، وكان ضوء الصباح يتسلل إلى الغرفة. أدركت أنني لم أكن أحلم برجل رحل قبل ستة وخمسين عامًا فقط، وإنما كنت أحلم بزمن كان فيه للفقراء والكادحين أمل، وللعامل مكان، وللفلاح أرض، وللتعليم وظيفة اجتماعية تتجاوز حدود الطبقة، وللدولة مشروع اقتصادي، وللوطن العربي حلم يتجاوز التجزئة. اقتربت الذكرى السادسة والخمسون لرحيل جمال عبد الناصر، فوجدتني أترحم على الرجل، لا باعتباره إنسانًا معصومًا من الخطأ، ولا باعتبار تجربته صفحة خالية من التناقضات، وإنما باعتباره رمزًا لمرحلة حملت أحلام الاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية. رحم الله جمال عبد الناصر، ورحم كل من رحل وهو يحلم بوطن عربي حر ومستقل وعادل. أما نحن فقد استيقظنا من الحلم على واقع يشبه الكابوس: وطن عربي ممزق، حروب لا تنتهي، مجتمعات تتناحر، واقتصادات مثقلة بالأعباء، وفقراء وكادحون وطبقة وسطى يزداد قلقها على المستقبل. وربما يكون السؤال الأكثر إيلامًا الآن ليس لماذا انتهى حلم الأمس، وإنما: من أين سنبدأ كي نصنع حلمًا جديدًا، وكيف نخرج من هذا الكابوس قبل أن يصبح هو المستقبل نفسه؟، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

د. محمد سيد أحمد استيقظت من الحلم على وطن عربي مكسور خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة