حسن عبد الله في الولاية الخامسة.. 10 ملفات رئيسية على أجندة محافظ البنك المركزي حتى أغسطس 2027


مع تجديد الثقة في حسن عبد الله محافظًا للبنك المركزي المصري لولاية خامسة حتى أغسطس 2027، تبدأ السياسة النقدية مرحلة جديدة تستند إلى مكتسبات السنوات الماضية، لكنها تواجه في الوقت نفسه مجموعة من الملفات الاقتصادية والنقدية الأكثر تعقيدًا.
وتأتي مهمة الحفاظ على استقرار سوق الصرف، وخفض التضخم، وتعزيز الاحتياطيات الدولية، ودعم قدرة القطاع المصرفي على تمويل الاقتصاد، في مقدمة أولويات المرحلة المقبلة، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.
ويملك البنك المركزي قاعدة أقوى مما كانت عليه في بداية الولاية السابقة، مع ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب وصول الشمول المالي إلى 79% بنهاية يونيو الماضي.
وفي المقابل، تفرض المرحلة الجديدة ضرورة استكمال الإصلاحات الرقابية والمصرفية، والتوسع في الخدمات الرقمية والبنوك الرقمية، وتعزيز التمويل المستدام، واستكمال برنامج الطروحات المصرفية، فضلًا عن زيادة التمويل الموجه للقطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ومن ثم، تبدو الولاية الخامسة اختبارًا لقدرة البنك المركزي على تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وسوق الصرف من جهة، ودعم النمو والاستثمار من جهة أخرى، مع الحفاظ على قوة ومتانة الجهاز المصرفي أمام الصدمات المحلية والخارجية.
«المركزي» يعزز صلابة الاقتصاد رغم التوترات الإقليمية
حافظ الاقتصاد المصري على قدرته على امتصاص تداعيات التوترات الجيوسياسية خلال الربع الأول من 2026، ليسجل ميزان المدفوعات فائضًا طفيفًا بلغ نحو 300 مليون دولار، رغم اتساع عجز الحساب الجاري بأكثر من الضعف مقارنة بالربع الأول من 2025 ليصل إلى 5.1 مليار دولار، مدعومًا بارتفاع تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة وقناة السويس.
ومع تراجع حدة التوترات الإقليمية وعودة ثقة المستثمرين تدريجيًا خلال الربع الثاني، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بالتزامن مع تحسن صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي، الذي سجل 22.9 مليار دولار في مايو 2026 مقابل 21.4 مليار دولار في مارس.
وانعكست هذه التطورات على سوق الصرف، مع تحسن قيمة الجنيه أمام الدولار من 54.6 جنيه للدولار إلى 49.2 جنيه بين نهاية مارس ويونيو 2026.
التضخم يتصدر أولويات الولاية الخامسة
وفي ضوء التطورات الاقتصادية التي جاءت أفضل من المتوقع، خفض البنك المركزي توقعاته للتضخم بصورة طفيفة على المدى القصير، مع استمرار التوقعات بحدوث تسارع مؤقت في معدل التضخم العام خلال الربع الثالث من 2026، مدفوعًا جزئيًا بتأثير فترة الأساس، وإن بوتيرة أبطأ من التوقعات السابقة.
ومن المتوقع أن يستأنف التضخم مساره النزولي تدريجيًا ليعود إلى نطاق المعدلات أحادية الرقم خلال النصف الثاني من 2027، بما يتسق مع المستوى المستهدف البالغ 7% بزيادة أو نقصان 2%، ومدعومًا باستمرار السياسة النقدية التقييدية على مدار أفق التوقعات.
وتشير السيناريوهات المختلفة إلى تراوح متوسط التضخم العام بين 15.2% و17.8% خلال العام المالي 2026/2027، وبين 7.7% و8.3% خلال العام المالي 2027/2028، مقابل متوسط بلغ 13.3% خلال العام المالي 2025/2026.
43.1 مليار دولار تحويلات المصريين بالخارج
وعزز البنك المركزي تدفقات النقد الأجنبي إلى السوق المحلية، مدفوعًا بصورة رئيسية بالقفزة الكبيرة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي ارتفعت بنسبة 31.2% لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مايو من العام المالي 2025/2026، مقابل 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وساهمت زيادة التدفقات الدولارية في القضاء على عجز صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، الذي تحول إلى فائض قدره 27.96 مليار دولار في يونيو 2026، مقارنة بعجز يعادل 174.4 مليار جنيه بنهاية أبريل 2024.
كما ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر إلى أكثر من 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، مقابل نحو 35.3 مليار دولار في فبراير 2024، بزيادة تتجاوز 21 مليار دولار.
استقرار الجنيه أمام الدولار
وحافظ الجنيه المصري على أداء مستقر أمام الدولار، ليسجل نحو 50.6 جنيه للدولار بنهاية الأسبوع الماضي، مقارنة بمستويات تجاوزت 54.5 جنيه للدولار في مارس الماضي، في ظل تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتعافي الموارد الدولارية.
الشمول المالي يصل إلى 79%
وواصلت معدلات الشمول المالي ارتفاعها لتصل إلى مستويات قياسية، إذ بلغت نحو 79% بنهاية يونيو 2026، مقابل 70.7% بنهاية عام 2023، بما يعكس توسع قاعدة المتعاملين مع الخدمات والمنتجات المصرفية والمالية.
ويستهدف البنك المركزي خلال المرحلة المقبلة تعزيز الثقافة المالية ونشر الوعي المصرفي، خاصة بين الأفراد وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع توجيه البنوك لإعداد برامج متكاملة للتثقيف المالي قابلة للقياس والتقييم.
تشديد الرقابة على تمويلات القطاع الخاص
وشهدت الفترة الأخيرة توجهًا واضحًا من البنك المركزي نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الجهاز المصرفي والقطاع الخاص، مع توسيع نطاق الرقابة على التمويلات الممنوحة للشركات والأنشطة المالية المرتبطة بها.
وشملت الإجراءات تعزيز التدقيق في التسهيلات الائتمانية، وربط بيانات التمويل الممنوح من شركات التمويل غير المصرفي بالمنظومة الائتمانية، إلى جانب تحديث القواعد المنظمة لاستثمارات البنوك في المؤسسات المالية وأدوات الدين الخاصة.
كما اتجه البنك المركزي إلى وضع إطار أكثر انضباطًا لاستثمارات البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق، من خلال فرض حدود للتركز والانكشاف وربط الاستثمار بمستويات التصنيف الائتماني وإدارة المخاطر.
البنوك الرقمية والتحول إلى مجتمع أقل اعتمادًا على النقد
يبرز التحول الرقمي كأحد الملفات الرئيسية على أجندة الولاية الجديدة، خاصة مع التوسع في الخدمات المصرفية الإلكترونية وإطلاق الهوية الرقمية وتشغيل البنوك الرقمية.
وكان البنك المركزي قد أصدر قواعد ترخيص وتسجيل البنوك الرقمية والرقابة والإشراف عليها في يوليو 2023، كما منح الموافقة الرسمية لشركة مصر للابتكار الرقمي للتحول إلى «وان بنك»، ليصبح أول بنك رقمي متكامل في مصر يقدم خدماته عبر القنوات والمنصات الرقمية.
كما حصل البنك التجاري الدولي مصر على موافقة مبدئية من البنك المركزي لتأسيس بنك «يومو» الرقمي، بما يتماشى مع الإطار التنظيمي للبنوك الرقمية في مصر.
«E-KYC» لدعم الهوية المالية الرقمية
ويرتبط التوسع في البنوك الرقمية بتفعيل خدمة التعرف على هوية العملاء إلكترونيًا «E-KYC»، التي تستهدف توفير هوية مالية إلكترونية آمنة تسمح بالتحقق من بيانات العملاء إلكترونيًا وفتح الحسابات المصرفية عن بُعد دون الحاجة إلى زيارة فروع البنوك.
وكان البنك المركزي قد أعلن في أغسطس 2023 مساهمته في تأسيس شركة الهوية المالية الرقمية برأسمال قدره 500 مليون جنيه، وبمساهمة تبلغ 55% من إجمالي رأس المال المدفوع.
التمويل المستدام وإدارة المخاطر البيئية
ويأتي تعزيز مبادئ التمويل المستدام ضمن الملفات المهمة أمام البنك المركزي، من خلال دمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة «ESG» في السياسات الائتمانية والخطط التمويلية للبنوك.
كما أعلن البنك المركزي عن ضوابط لتنظيم استثمارات البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق، إلى جانب إلزام البنوك بتطبيق نظام إدارة المخاطر البيئية والاجتماعية «ESRMS» بشكل كامل قبل يناير 2028.
وتستهدف هذه القواعد دمج المخاطر غير المالية ضمن منظومة منح الائتمان وإدارة المحافظ التمويلية، بحيث لا يعتمد تقييم المشروعات مستقبلًا على المؤشرات المالية والجدارة الائتمانية فقط، وإنما يمتد إلى الأثر البيئي والاجتماعي ومدى الالتزام بمعايير الاستدامة.
طرح بنك القاهرة والعربي الأفريقي على أجندة المركزي
ويمثل استكمال برنامج طرح البنوك الحكومية في البورصة أحد الملفات المهمة أمام المحافظ خلال الولاية الجديدة، بعد نجاح البنك المركزي في طرح المصرف المتحد، مع استمرار بنك القاهرة والبنك العربي الأفريقي الدولي ضمن قائمة البنوك محل الاهتمام في برنامج الطروحات الحكومية.
ومن شأن طرح هذه الكيانات، سواء في البورصة أو عبر البيع لمستثمر استراتيجي، دعم سوق المال وزيادة عمقه، فضلًا عن تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري وتوسيع قاعدة الملكية وجذب استثمارات جديدة للقطاع المصرفي.
دعم القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة
ويولي البنك المركزي أهمية متزايدة لدور القطاع الخاص في دعم النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل، من خلال تسهيل وصول الشركات إلى التمويل وتعزيز قدرتها التنافسية.
ويستهدف المركزي زيادة التمويلات الموجهة للقطاع الخاص، مع التركيز على القطاعات الإنتاجية والصناعية والعقارية، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي.
الاحتياطي الأجنبي.. أولوية مستمرة
ويظل تعزيز الاحتياطي النقدي الأجنبي أحد أهم الملفات على أجندة حسن عبد الله خلال الولاية الخامسة، بعدما ارتفع الاحتياطي إلى أكثر من 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، مقارنة بنحو 33.1 مليار دولار في أغسطس 2022 عند توليه منصبه، بزيادة كبيرة خلال أربع سنوات.
وجاء هذا التحسن مدعومًا بعدة عوامل، في مقدمتها التدفقات الأجنبية المرتبطة بصفقة رأس الحكمة التي جذبت نحو 35 مليار دولار، وما تبعها من قرارات البنك المركزي في مارس 2024، فضلًا عن صفقة «علم الروم» بنحو 3.5 مليار دولار في أواخر 2025.
كما ساهم ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إلى جانب الصادرات والإيرادات السياحية والاستثمار الأجنبي المباشر وارتفاع أسعار الذهب، في تعزيز موارد النقد الأجنبي ودعم مستويات الاحتياطي.
سيناريوهان لتطورات الصراع والتضخم
ويواجه البنك المركزي تحديًا إضافيًا يتمثل في تداعيات التطورات الجيوسياسية على مسار التضخم وسوق الصرف، إذ وضع سيناريوهين بديلين لتقييم أثر التطورات الإقليمية على الاقتصاد المصري.
ويفترض السيناريو الأول انحسار الصراع وتراجع حدة التوترات الإقليمية وعودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب انخفاض أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات ما قبل الصراع وتراجع حالة العزوف عن المخاطر لدى المستثمرين.
وفي هذه الحالة، يرجح البنك المركزي تحسن مسار سعر الصرف وانخفاض التضخم العام إلى المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من 2027، مع توقع متوسط للتضخم يبلغ 15.2% خلال العام المالي 2026/2027 و7.7% خلال العام المالي 2027/2028.
أما سيناريو تصاعد الصراع، فيفترض تجدد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة العالمية وزيادة حالة العزوف عن المخاطر، بما قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد المصري، من بينها احتمالية تخارج رؤوس الأموال وارتفاع سعر الصرف.
وفي هذا السيناريو، يتوقع البنك المركزي تسارع التضخم خلال النصف الثاني من 2026 قبل عودته إلى المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من 2027، مع ارتفاع متوسط التضخم إلى 17.8% خلال العام المالي 2026/2027 و8.3% خلال العام المالي 2027/2028، بما قد يستدعي سياسة نقدية أكثر تقييدًا.
أحمد أبو الخير: استقرار الأسعار والصرف أولوية
وقال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن الحفاظ على استقرار الأسعار وسوق الصرف وتعزيز الاحتياطيات الدولية سيظل على رأس أولويات البنك المركزي، بالتوازي مع تهيئة الظروف النقدية والتمويلية المناسبة لدعم الاستثمار والقطاع الخاص.
وأشار إلى أن ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026 يعكس تحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية وتوفير النقد الأجنبي، ويمنح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة سوق الصرف دون الاعتماد المفرط على أسعار الفائدة.


.png)
































