إبراهيم نصر يكتب: التقوى.. ثمرة الصيام الكبرى


ما أسرع الخطى حين تتعلق بجمال الروح وصفاء النفس، فها هو شهر رمضان المبارك يطوي بساطه، ويستعد للرحيل بعد أن حل ضيفا عزيزا، ملأ القلوب سكينة والبيوت نوراً. وبينما تفيض أعين المحبين دمعا على فراق "سيد الشهور"، يجب أن ندرك أن الغاية العظمى من هذه الفريضة قد لخصها الحق سبحانه وتعالى في قوله الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183). فالصيام ليس مجرد امتناع مؤقت عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لغرس "التقوى" التي تمثل الثمرة الكبرى والمنهج الذي يجب أن يمتد مع المسلم طوال العام.
إن عبادة الصيام ليست "موسماً" ينتهي بانقضاء هلاله، بل هي عهد وثيق يمتد حتى يلقى العبد ربه، فوداع رمضان لا ينبغي أن يكون مجرد زفرات حسرة، بل يجب أن يتحول إلى انطلاقة جديدة وعزيمة صادقة نحو مواصلة الجد والاجتهاد. فالمسلم لا يعرف الانقطاع عن ربه، ورب رمضان هو سبحانه رب سائر الشهور، وهو الذي قال في محكم التنزيل: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ". إننا بحاجة إلى فهم أن رمضان يمثل "معسكراً تربوياً مكثفاً" جئنا إليه لنرمم أرواحنا، ونقوي عضلة الإرادة لدينا، وننقل هذه "المهارات الروحية" إلى حياتنا اليومية بعد رحيل الشهر.
ومن الأخطاء الشائعة هي التعامل مع رمضان كأنه "سجن للذنوب" يُفتح بابه ليلة العيد، بينما القاعدة الإيمانية تقول: إن من علامة قبول الحسنة هي الحسنة بعدها. وهنا يبرز المعنى الشامل للعبادة الذي يتجاوز حدود السجادة؛ لتصبح النزاهة في المعاملات وإخلاص العمل هي المحراب الذي يتعبد فيه المسلم طوال العام. فالموظف الذي تعلم الأمانة في صيامه، يجب أن يمارسها في مكتبه، والمواطن الذي تعود على التكافل، هو نفسه الذي يجب أن يساهم في بناء وطنه بالجد والاجتهاد. إن هذا الترابط هو الجوهر الذي يبني الإنسان الصالح والمجتمع القوي.
ولكي لا نفقد هذا الزخم الروحي، علينا أن نتبنى منهج "القليل الدائم"، وهو المنهج النبوي الذي يرشدنا إلى أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فخمس دقائق من تدبر القرآن يومياً، وركعتان في جوف الليل، وصيام النوافل، كلها جسور تمتد بنا من رمضان إلى رمضان، ليبقى القلب حياً والروح متصلة بخالقها. إن الاستقامة والتقوى بعد رمضان هما الاختبار الحقيقي لصدق النوايا، والفيصل بين "الربانيين" الذين يعبدون الله في كل وقت، وبين "الرمضانيين" الذين لا يعرفون الله إلا في موسم واحد.
وكما جرت الحكمة البليغة على ألسنة السلف الصالح وعلماء الأمة - كالإمام ابن رجب وغيره - في قولهم: "ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف الوعيد وطاعاته تزيد"، وهي حكمة تلخص جوهر القبول بعيدا عن المظاهر. لنجعل من "مراقبة الله" التي عشناها ونحن صيام، رقيبا ذاتيا علينا في كل قول وفعل، لنساهم في رفعة ديننا ونهضة وطننا بعقول مستنيرة وقلوب عامرة، فالأثر الذي نتركه بعد رمضان هو الذي يحدد قيمتنا الحقيقية، وهو الذي يجعل من حياتنا كلها "رمضاناً" دائما يثمر خيرا وبركة في كل زاوية من زوايا هذا الوطن.
[email protected]

.jpg)




.jpg)



.jpg)























