طبيبة فلسطينية: التجويع بغزة يترك ندوبًا نفسية قد تمتد لأربعة أجيال


تحذّر الطبيبة الفلسطينية المختصة بالصحة النفسية سماح جبر، من أن التجويع الممنهج والإبادة الجماعية اللتين ارتكبتهما إسرائيل بقطاع غزة لا يخلفان دمارًا آنيا فحسب، بل يزرعان صدمة نفسية قد تمتد آثارها لأجيال متعاقبة.
وفي مقابلة مع الأناضول تقول جبر وهي إحدى أبرز المختصات الفلسطينيات في مجالها، إن الأضرار النفسية الناجمة عن التجويع المنهجي والإبادة الجماعية في قطاع غزة قد لا تنتهي بانتهاء الحرب.
وتوضح أن هذه الأضرار يمكن أن تستمر آثارها النفسية والاجتماعية لثلاثة أو حتى أربعة أجيال متعاقبة، لتتحول إلى جرحٍ غائر في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
وتشير الطبيبة إلى أن الفلسطينيين بقطاع غزة يعانون منذ فترة طويلة من سوء تغذية مزمن، مؤكدة أن التجويع القسري الذي يُمارس بحقهم ليس نتيجة عرضية للحرب، بل سياسة مقصودة تستهدف كسر الإرادة الجماعية.
وتضيف أن العالم يشهد اليوم، في القرن الحادي والعشرين، واقعًا صادمًا يتمثل في وفاة مدنيين بسبب انخفاض حرارة أجسادهم نتيجة الحرمان من الغذاء والمأوى.
وتبيّن أن المأساة في غزة لا تقتصر على الجوع وحده، بل تشمل تراكمًا طويل الأمد من العوامل النفسية القاسية، أبرزها العزلة القسرية، وانعدام حرية الحركة منذ عقود، إلى جانب التعرض المستمر للقصف المكثف على مدى أكثر من عامين.
كما تلفت إلى أن هناك شعورا متناميا لدى الفلسطينيين بغزة بأنهم خارج دائرة الاهتمام العالمي، وأنهم تُركوا لمصيرهم.
وتؤكد جبر أن محاولة الفصل بين أسباب الصدمة النفسية في غزة أمر بالغ الصعوبة، نظرًا لتشابك عوامل الجوع والدمار والنزوح والقصف وفقدان الأحبة.
وتشير إلى أن ما يعيشه الفلسطينيون يدخل في إطار ما تصفه بـ"الصدمة الاستعمارية"، وهي صدمة تمس كل تفاصيل الحياة اليومية.
وتقول بهذا السياق: "نحن نعرف، من خلال دراسات متعددة حول المجاعات الكبرى في العالم، أن التأثير النفسي للجوع لا يقتصر على الجيل الذي عايشه، بل ينتقل إلى الأجيال اللاحقة".
وتتابع: "هناك أبحاث أُجريت حول المجاعة الكبرى في الصين، وكذلك في إيرلندا، أظهرت أن أبناء من عانوا الجوع كانوا أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وأكثر صعوبة في التكيّف الوظيفي والاجتماعي".
** انهيار المنظومة
وتشير جبر إلى أن غزة، رغم الحصار الطويل، كانت تضم قبل الحرب عددًا محدودًا من المبادرات والمؤسسات التي تحاول دعم الصحة النفسية للسكان.
إلا أن هذه المنظومة الهشة انهارت بالكامل خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ في 8 أكتوبر 2023، وفق المتحدثة.
وتردف بالقول إن كثيرًا من زملائها العاملين في مجال الصحة النفسية قُتلوا أو أُصيبوا أو اضطروا للنزوح، فيما اضطر آخرون، تحت ضغط الحاجة، إلى الانشغال بتأمين الغذاء لأطفالهم بدلًا من ممارسة عملهم المهني.
وتنقل جبر رسالة مؤثرة من زميلها الطبيب النفسي محمد سعيد كحلوت، قال فيها إنه يقلل من طعامه إلى الحد الأدنى ليتمكن من إطعام أطفاله، موضحة أن الجوع أفقده القدرة على العمل والاستماع للمرضى.
وتعلق بالقول: "عندما يكون المعالج نفسه جائعًا، فإن الجوع لا يدمّر جسده فقط، بل يقوّض قدرته الوظيفية، ويؤثر على علاقاته، وعلى صحته النفسية والجسدية في آن واحد".
** خطر وجودي
وتبيّن جبر أن تأثير ما يجري في غزة لا يقتصر على سكان القطاع وحدهم، بل يمتد إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، حيث لمست خلال جلساتها العلاجية شعورًا عامًا بوجود تهديد وجودي شامل، مشيرة إلى أن الإفلات المستمر من العقاب عمّق هذا الإحساس.
وتؤكد أن فهم معاناة المرضى الفلسطينيين يتطلب إدراك السياق السياسي المحيط بحياتهم، لأن الألم النفسي لديهم لا ينفصل عن واقع القهر البنيوي.
** جوع مستمر
وتشدد جبر على أن إعلان وقف إطلاق النار لم ينهِ المعاناة الإنسانية، موضحة أن نقص الغذاء والرعاية الصحية لا يزال يحصد الأرواح.
وتقول: "حتى بعد الهدنة، ما زال الناس يموتون بسبب أمراض لم تُعالج، والتهابات، وأمراض مزمنة كالسكري، فيما يحتاج كثيرون إلى غسيل كلى. الشتاء يفاقم المأساة، والناس يواجهون هذا الواقع وهم يعانون من سوء تغذية حاد، دون مأوى أو تدفئة".
وتضيف أن مشهد وفاة أطفال بسبب انخفاض حرارة أجسامهم في غزة، مقابل عجز الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس عن مساعدتهم، يكشف أن العائق ليس طبيًا أو نفسيًا، بل سياسي بالدرجة الأولى.
** تدمير الإنسان
وفي سياق تحليلها العلمي، تستشهد جبر بتجربة "مينيسوتا للجوع" التي أُجريت بين عامي 1944 و1945، بهدف دراسة آثار الجوع طويل الأمد على البشر، موضحة أن المشاركين حصلوا على نصف احتياجهم اليومي من السعرات الحرارية لمدة 24 أسبوعًا.
وتشير إلى أن نتائج التجربة أظهرت تدهورًا حادًا في السلوك النفسي والاجتماعي للمشاركين، إذ فقدوا الدافع والرغبة، وأصبحوا عدوانيين، وظهرت عليهم أعراض الاكتئاب واضطرابات نفسية أخرى، بل وصل الأمر إلى تناول أشياء غير صالحة للأكل.
وتختم جبر حديثها بالقول: "الجوع لا يستهدف الجسد فقط، بل يترك أثره في الذاكرة التاريخية والجمعية. عندما يعرف الأطفال أن آباءهم وأجدادهم عانوا التجويع، فإن علاقتهم بالطعام والمال والأمان ستختلف".
وتتابع: "هذا الشعور بعدم اليقين ينتقل عبر الأجيال، ويظهر في أساليب التربية، وفي نظرة الإنسان إلى مستقبله، لسنوات طويلة قادمة".

.jpg)








.jpg)
























