محمد محفوظ يكتب: اللِّي أمرّ من المُرّ.. أسوأ من المُرّ نفسه


هناك مآسٍ لا يكفي معها أن نقول: حادث أليم، ولا تكفي معها بيانات النعي والتعازي، لأن وراء كل رقم في حصيلة الضحايا بيتًا انكسر، وأمًّا فقدت فلذة كبدها، وأبًا ينتظر ابنًا خرج من بيته يبحث عن لقمة العيش فعاد إليه جثمانًا.
حادث طريق الدواويس بالقصاصين ليس مجرد حادث مروري عابر.
17 روحًا رحلت، و30 مصابًا، وأطفال كانوا في عمر المدرسة خرجوا بحثًا عن العمل، ولم يعودوا إلى بيوتهم. والأشد وجعًا أن من بين الضحايا ستة أطفال أشقاء.
لكن وسط هذه المأساة، ظهر مشهد آخر لا يقل قسوة عن الحادث نفسه.
أن يخرج بعض الإعلاميين ليحاكموا أسر الضحايا، ويقولوا لهم: الأطفال مكانهم المدرسة وليس العمل، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن الفقر لا وجود له، وأن الجوع ينتظر حتى تنتهي الحصة الدراسية!
نعم، مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، ولا أحد يختلف على ذلك.
لكن قبل أن نجلد أبًا أو أمًا مكلومين، علينا أن نسأل: لماذا خرج الطفل من المدرسة أصلًا؟
هل خرج بحثًا عن الرفاهية؟
هل خرج ليشتري هاتفًا جديدًا؟
هل خرج ليعيش حياة مترفة؟
أم خرج لأن الجوع لا يعرف معنى الإجازة، والفقر لا ينتظر نهاية العام الدراسي، والاحتياج قد يدفع الإنسان إلى أبواب لا يريد طرقها؟
من السهل جدًا أن تجلس أمام الكاميرا في مكان آمن، وتقول لأسرة فقدت أبناءها: كان المفروض ما يشتغلوش.
لكن الأصعب أن تنزل إلى بيوت هؤلاء الناس، وتنظر في عيون الأمهات، وتسألهم:
ماذا كنتم ستفعلون لو لم يكن أمامكم ما يكفي من المال للطعام والدواء ومصاريف البيت؟
لا تدافعوا عن تشغيل الأطفال، فهذه جريمة اجتماعية لا يجوز تبريرها.
لكن لا تحولوا الضحية إلى متهم، ولا تحولوا الفقر إلى تهمة، ولا تجعلوا المكلومين في قفص الاتهام.
نحن أمام مأساة أكبر من مجرد حادث.
نحن أمام أطفال كان المفترض أن يحملوا كتبهم وحقائبهم، فإذا بهم يحملون هموم أسرهم، ثم حملتهم سيارات العمل إلى طريق لم يعودوا منه.
والسؤال الحقيقي ليس فقط:
لماذا كان الأطفال يعملون؟
بل أيضًا:
أين منظومة الحماية الاجتماعية؟ أين الرقابة؟ أين فرص العمل الآمنة للكبار؟ وأين المسؤولية عن نقل العمال بهذه الصورة؟
إن كان هناك تقصير، فحاسبوا المقصرين.
إن كان هناك مخالفة، فحاسبوا من ارتكبها.
إن كانت هناك منظومة سمحت بوجود أطفال في هذا العمل، فأصلحوا المنظومة.
أما أن نذهب إلى أم فقدت ستة من أبنائها دفعة واحدة، ثم نخبرها أن أبناءها كان مكانهم المدرسة، فهذا ليس إعلامًا ولا توعية.
هذا اسمه جلد للضحية فوق جراحها.
يا سادة…
الفقر ليس عذرًا، لكنه واقع. والجوع كافر، والاحتياج قاتل، ومن لم يعش ضيق الحاجة لا يملك رفاهية إصدار الأحكام على من عاشها.
لقد مات هؤلاء الأطفال وهم يبحثون عن لقمة عيش، فليكن موتهم جرس إنذار، لا مادة للمزايدة.
ارحموا أهلهم من المواعظ السهلة، واتركوا لهم حق الحزن.
فاللي أمرّ من المُرّ، أن يفقد الإنسان أبناءه… ثم يجد من يلومه على الطريقة التي عاشوا بها قبل أن يموتوا.
رحم الله الضحايا، وشفَى المصابين، وربط على قلوب أهاليهم، وجعل هذه الفاجعة بداية حقيقية لمحاسبة كل مقصر، لا مجرد خبر يختفي بعد أيام من صفحات الأخبار.


.png)

































