ما المقصود بقول الله تعالى: «ووصّى بها إبراهيم بنيه»؟.. أستاذ بجامعة الأزهر يوضح


قال الدكتور محمد فيصل، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، إن قوله تعالى: «ووصّى بها إبراهيم بنيه» يعود إلى كلمة «أسلمت لرب العالمين»، موضحًا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أوصى أبناءه، ومنهم إسحاق وإسماعيل، بهذه الكلمة الجامعة، كما أن سيدنا يعقوب عليه السلام أوصى أبناءه بها أيضًا، وهو ما يظهر في قوله تعالى: «ويعقوب يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين»، مشيرًا إلى أن في الآية كلامًا محذوفًا تقديره: «وقال يعقوب يا بنيّ»، لأن الخطاب هنا صادر عن يعقوب عليه السلام.
وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، خلال حلقة برنامج "لغة القرآن"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أن لفظ «اصطفى» في القرآن له دلالة أعمق من مجرد الاختيار أو التفضيل، فالعرب قد تستخدم لفظ «اختار»، لكن القرآن يستعمل «اصطفى» لما يحمله من معنى أدق، مستشهدًا بقوله تعالى: «وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار»، وقوله: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا»، وقوله: «إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين».
وبيّن أن أصل كلمة «اصطفى» يرجع إلى الجذر اللغوي (ص ف و)، أي الصفاء، فـ«اصطفاك» تعني جعلك من الصفوة، والصفوة مأخوذة من الصفاء، أي التنقية من كل شائبة، موضحًا أن الاصطفاء الإلهي ليس مجرد اختيار عشوائي، بل هو نتيجة صفاء القلب والنفس، فحين يصفو الإنسان يصطفيه الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: «وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار»، أي الذين صفّاهم الله فصاروا من الصفوة.
وأكد الدكتور محمد فيصل أن في هذا المعنى رسالة لنا جميعًا، وهي أن يسعى الإنسان إلى الصفاء ليكون أهلًا للاصطفاء، موضحًا أن قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» يدل على أن وراثة المنهج والكتاب لا تكون إلا لقلوب صافية، وهي أصفى القلوب بعد قلوب الأنبياء، ثم قلوب الصحابة الذين ساروا على هديهم.
وأشار إلى أن قوله تعالى: «إن الله اصطفى لكم الدين» معناه أن الله صفّى هذا الدين واختاره ليكون خالصًا من كل شائبة، فلا يقود إلى ضلال ولا شقاء، بل إلى الهداية والسعادة، مستشهدًا بقوله تعالى: «فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى»، مؤكدًا أن هذا المنهج الإلهي منهج صافٍ في ذاته.
وتوقف الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف عند التعبير القرآني «اصطفى لكم الدين» ولم يقل «اصطفى الدين لكم»، موضحًا أن في ذلك دلالة على خصوصية المخاطَبين في ذلك السياق، إذ كان سيدنا يعقوب عليه السلام قد دخل مصر في عهد ولده يوسف عليه السلام، وكانت مصر آنذاك تعيش في واقع وثني، ثم تحوّل هذا الواقع إلى التوحيد بدعوة يوسف عليه السلام، فكأن يعقوب يقول لأبنائه إنهم كانوا سببًا في هداية غيرهم، وأن الله جعلهم مشاعل هدى لغيرهم، فكان الاصطفاء لهم من هذه الحيثية.
وأوضح أن هذا لا يعني أن الدين محصور فيهم وحدهم، بل إن غيرهم سيدخل في هذا الدين، لكن من خلال دعوتهم وهديهم، ولذلك ختم يعقوب وصيته بقوله تعالى: «فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون»، تأكيدًا على الثبات على هذا الدين المصطفى حتى الممات.

.jpg)








.jpg)






















