صابر سكر يكتب: لماذا ألغى المشرّع المعارضة الاستئنافية؟


مع اقتراب موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، والمقرر سريانه رسميًا في 1 أكتوبر 2026، تبرز تساؤلات مشروعة حول عدد من التعديلات الجوهرية التي أدخلها المشرّع على منظومة العدالة الجنائية، وفي مقدمتها إلغاء ما كان يُعرف بـ المعارضة الاستئنافية في قضايا الجنح.
هذا الإجراء، الذي اعتاد عليه المتقاضون لسنوات طويلة، كان يتيح للمتهم الطعن على الحكم الاستئنافي إذا صدر ضده في غيابه، بما يضمن له فرصة جديدة لسماع دفاعه. غير أن القانون الجديد قرر إنهاء هذا الحق في حالات محددة، ما أثار جدلًا واسعًا حول مدى تأثير ذلك على ضمانات المحاكمة العادلة.
في الواقع، لم يأتِ هذا الإلغاء على إطلاقه، وإنما قُيِّد بضوابط واضحة. فقد اعتبر المشرّع أن المتهم لا يجوز له الادعاء بغياب العلم بالدعوى، إذا ثبت أنه أُعلن بالحضور إعلانًا صحيحًا وتسلم الإعلان بنفسه، أو إذا حضر إحدى الجلسات ثم تغيب، أو إذا حضر هو أو محاميه أي جلسة من جلسات القضية قبل صدور الحكم.
في مثل هذه الحالات، يفترض القانون علم المتهم الكامل بإجراءات المحاكمة، ويحمّله مسؤولية تغيبه اللاحق، مانعًا إياه من استخدام المعارضة كوسيلة لإعادة فتح الخصومة بعد صدور الحكم.
الهدف المعلن من هذا التعديل هو مواجهة إطالة أمد التقاضي، ومنع التحايل على الإجراءات، وتسريع تنفيذ الأحكام، بما يحقق مبدأ العدالة الناجزة الذي بات مطلبًا مجتمعيًا ملحًا. فليس من المقبول، وفق فلسفة القانون الجديد، أن تتحول حقوق الدفاع إلى أدوات لتعطيل الفصل في القضايا أو إفراغ الأحكام من مضمونها.
ومع ذلك، حرص المشرّع على الإبقاء على استثناء جوهري يوازن بين سرعة العدالة وضمانات الدفاع. فإذا كانت النيابة العامة قد استأنفت حكم براءة، وقضت المحكمة الاستئنافية بإلغائه والحكم بالإدانة غيابيًا، فإن حق المتهم في المعارضة يظل قائمًا، ضمانًا لسماع دفاعه قبل تنفيذ العقوبة، وهو استثناء يعكس إدراك المشرّع لحساسية الانتقال من البراءة إلى الإدانة دون مواجهة المتهم.
في المحصلة، فإن إلغاء المعارضة الاستئنافية في الجنح لا يمكن قراءته باعتباره انتقاصًا من حقوق المتهم بقدر ما هو إعادة ضبط لميزان العدالة. رسالة القانون واضحة: حق الدفاع مصون، لكنه ليس رخصة للمماطلة، ولا وسيلة للالتفاف على الأحكام.
إنها محاولة لتحقيق معادلة صعبة، لكنها ضرورية، بين عدالة منصفة تحترم الحقوق، وعدالة سريعة تحمي هيبة القانون وحقوق المجتمع.

.jpg)








.jpg)
























