الدكتورة هبة عادل تكتب: كيف تُحكم الدول سر توزيع السلطة بين التشريع والتنفيذ والقضاء


تقوم الدول الحديثة على مبدأ أساسي يحفظ استقرارها ويضمن عدالة إدارتها وهو مبدأ توزيع السلطة بين ثلاث مؤسسات رئيسية تعمل بشكل مستقل لكنها تتكامل فيما بينها وهذه السلطات هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية وهي النموذج الذي تتبناه معظم دول العالم مهما اختلفت نظمها السياسية أو درجات تطورها
تبدأ منظومة الحكم بالسلطة التشريعية وهي المؤسسة التي تمثل صوت المجتمع داخل الدولة فهي التي تصوغ القوانين وتعدلها وتحدد الإطار المدني والسياسي والاقتصادي الذي تسير فيه الدولة والبرلمان في أي دولة هو انعكاس للإرادة الشعبية وهو مسؤول عن مراقبة أداء الحكومة ومراجعة خططها وموازناتها وتوجيهها نحو مصالح المواطنين وتعمل السلطة التشريعية كجدار حماية ضد سوء الإدارة أو الانفراد بالقرار لأنها تمنح الشرعية وتسحبها وتفرض المساءلة على السلطة التنفيذية
ثم تأتي السلطة التنفيذية وهي المحرك العملي الذي يدير حياة الناس اليومية وهي تضم رئيس الدولة والحكومة بمؤسساتها ووزاراتها وأجهزتها وتتحمل مسؤولية تنفيذ القوانين وتطبيق السياسات العامة وإدارة المرافق والخدمات وتوجيه الموارد الوطنية وتُعد هذه السلطة مركز اتخاذ القرار على مستوى إدارة الدولة والأمن والسياسة العامة وفي كثير من الدول ترتبط قوة السلطة التنفيذية بقدرتها على تحويل الخطط إلى واقع وبكفاءتها في مواجهة الأزمات وحماية الاستقرار
أما السلطة القضائية فهي ميزان العدالة الذي تستقيم به الدول وتمثل هذه السلطة المرجعية التي يعود إليها الجميع عند وقوع النزاعات فهي تضمن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز وتحمي حقوق الأفراد وتراجع مشروعية القوانين والإجراءات وتفصل بين السلطات عند حدوث تعارض وتستمد القضائية مكانتها من استقلالها الكامل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو استقلال يحدد قوة الدولة وقدرتها على بقاء العدالة جزءا من بنيتها وليس مجرد شعار سياسي
وتتوازن هذه السلطات الثلاث من خلال مبدأ عالمي ظهر منذ قرون وهو مبدأ الفصل بين السلطات وهو المبدأ الذي يمنع تركيز القوة في يد جهة واحدة ويضمن الرقابة المتبادلة ويحقق الانسجام بين التشريع والتنفيذ والقضاء فالتشريعية تضع القوانين وتراقب الحكومة والتنفيذية تطبق القوانين وتلتزم بحدودها والقضائية تحمي الدستور وتفصل في النزاعات وتضمن عدالة التطبيق ومن هذا التوازن تولد قوة الدولة وشرعية مؤسساتها
إن فهم كيفية توزيع السلطة داخل الدول ليس معرفة قانونية فقط بل هو مفتاح قراءة الأنظمة السياسية ووسيلة لتقييم مدى ديمقراطية أي دولة وقدرتها على حماية مواطنيها فالدولة التي تعمل فيها السلطات الثلاث بوضوح وحدود مستقلة تكون دولة قادرة على بناء التنمية وصون الحقوق وحماية مستقبلها بينما الدول التي تتداخل فيها السلطات أو تتغوّل فيها جهة واحدة تصبح أكثر عرضة للأزمات والصراعات وضعف الثقة
وفي النهاية فإن نموذج السلطات الثلاث ليس مجرد إطار نظري بل هو أساس بناء دولة عصرية عادلة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل وهو معيار يُقاس به نضج الدول ومتانة مؤسساتها وقوة حياتها السياسية

.jpg)








.jpg)






















