الدكتورة هبة عادل تكتب: ترامب يعيد خطاب الاستعمار.. القواعد العسكرية بين الشراكة والتهديد


لم يتوقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن إثارة الجدل بتصريحات نارية تكشف عن عقلية مختلفة تمامًا عما اعتدنا عليه من الخطاب الدبلوماسي التقليدي. آخر هذه التصريحات كان صادمًا وخطيرًا، إذ أعلن أنه سيطالب الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية بمنح واشنطن ملكية الأراضي مجانًا، وأن من يرفض سيتم انتزاعها بالقوة.
هذا الكلام يعيد إلى الأذهان منطق الاستعمار القديم، حيث كانت القوى العظمى تفرض سيطرتها على أراضي الغير بالقوة وتحت ذرائع واهية. لكن الخطورة اليوم أن يخرج هذا التصريح من رئيس أمريكي سابق يسعى للعودة إلى البيت الأبيض، ما يجعله إشارة واضحة على طبيعة التفكير الذي قد يحكم السياسة الأمريكية في المستقبل.
الدول المستضيفة للقواعد الأمريكية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: فهي قبلت وجود هذه القواعد عبر اتفاقيات دفاعية وأمنية، لكن تحويل الأمر إلى ملكية قسرية يعني أن السيادة الوطنية أصبحت مهددة بشكل مباشر. بل إن الحلفاء قد يتحولون إلى رهائن، وتتحول الشراكات الأمنية إلى ساحة ابتزاز علني.
التداعيات لا تتوقف عند حدود الدول المضيفة، بل تمتد إلى النظام الدولي كله. فإذا أصبح منطق ترامب واقعًا، فإن العالم سيدخل مرحلة جديدة من الفوضى، حيث تُنتزع الأراضي بالقوة وتنهار فكرة التحالفات المتوازنة. وهو ما سيدفع كثيرًا من الدول إلى إعادة حساباتها، وربما الارتماء في أحضان قوى أخرى مثل روسيا أو الصين للبحث عن توازن وردع.
خطاب ترامب يكشف عقلية تضع المصالح المادية المباشرة فوق كل اعتبار، وتتعامل مع العلاقات الدولية وكأنها صفقات تجارية بلا التزامات أو مبادئ. وهذه العقلية، إذا وجدت طريقها مجددًا إلى السلطة، ستشكل تهديدًا خطيرًا على الاستقرار العالمي.
العالم أمام اختبار حقيقي: إما أن يقبل منطق القوة الغاشمة، أو يتحرك لإعادة صياغة نظام دولي أكثر عدلًا يحمي السيادة الوطنية للدول ويمنع عودة الاستعمار في ثوب جديد.