«معلومات الوزراء» يستعرض رؤى خبراء العلوم السياسية والأكاديميين في مظاهر التحولات الجيوسياسية للنظام الدولي


استعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، داخل ملف خاص رؤى نخبة من الخبراء والمفكرين بشأن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وما تفرضه من إعادة تشكيل لموازين القوى وقواعد إدارة النظام الدولي، في ظل عودة الجغرافيا والمواقع الاستراتيجية والممرات البحرية إلى صدارة الحسابات السياسية والأمنية.
جاء ذلك في ضوء اهتمام مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بمتابعة وتحليل التحولات المتسارعة في النظام الدولي وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط.
الممرات البحرية
في هذا السياق أوضح الدكتور علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الممرات البحرية حالياً تمثل شرايين رئيسية للتجارة العالمية ونقل الطاقة، علاوًة على أهميتها العسكرية والأمنية وتأثيرها في أمن دول العالم، ولذلك فقد أصبحت من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية السياسية والاقتصادية وأكثر ارتباطًا باستقرار العلاقات بين الدول والنظام الدولي، وتعتبر أحد المقومات الاستراتيجية في العلاقات الدولية المعاصرة التي تمارس تأثيرها في أطراف النظام الدولي، حيث أن أمن هذه الممرات وحرية المرور فيها يضمنان تدفق المواد الخام والسلع واستمرار عمل أسواق الطاقة العالمية.
وتابع الدكتور على الدين هلال، أن بعض الممرات تعد مفاصل حساسة للنظام الدولي ونقاط اشتباك وصدام تعكس طبيعة اختلاف المصالح بين القوى الكبرى مثل مضيقي هرمز وباب المندب، حيث أن نشوب أزمة كبيرة في أي منهما يؤدي إلى أزمة دولية تطرح تأثيراتها في العالم بأسره، لذا تحرص الدول الكبرى على حماية طرق الملاحة الدولية والحفاظ على حرية العبور فيها باعتبارها جزءًا من أمنها القومي وتحقيق الاستقرار الدولي.
الجغرافيا السياسية
في نفس السياق، أوضح الدكتور نصر محمد عارف أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الجغرافيا السياسية عادت بقوة لتصبح عاملًا حاسمًا في السياسة الدولية، وقد تجلت هذه الحقيقة بصورة واضحة في النصف الأول من عام ٢٠٢٦ مع اشتعال الحرب الأمريكية الإيرانية، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، ثم إغلاق مضيق هرمز الذي أدخل العالم أجمع في أزمة طاحنة تتعلق بسلاسل إمداد الطاقة والأسمدة، هنا أدرك العالم أن الجغرافيا هي العنصر الحاسم في التفاعلات الدولية، وفي تشكيل النظام الدولي القادم.
وأضاف أنه رغم الحديث المتكرر عن تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط، وانتقال تركيز القوى الدولية خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية إلى المحيط الهادئ لمواجهة التحديات القادمة من روسيا والصين، فإن منطقة الشرق الأوسط "عصية على التهميش" أو فقدان الأهمية لأنها ما زالت تمثل عقدة ربط بين "آسيا وإفريقيا وأوروبا"، ومركزًا للطاقة التقليدية، وممرًا رئيسًا للتجارة العالمية، ومنطقة تنافس بين القوى الكبرى، ويصعب أن تحل محلها منطقة أخرى وذلك بفعل الموقع الجغرافي، والتحكم في أهم الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب وهذا بدوره يعيد للجغرافيا السياسية دورها المحوري في تشكيل النظام الدولي.
العلاقات الإقليمية
من جانبه، أكد د. عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة المصري اليوم ورئيس مجلس المستشارين بالمركز المصري للدراسات الاستراتيجية، أن هناك نوعان من العلاقات الإقليمية أولهما ما بين الدول العربية، وثانيهما ما بين هذه الدول مجتمعة وثلاثة أطراف خارجية "إيران وتركيا وإسرائيل"، وبحكم التعريف فإن الإقليم وعلاقاته تدور في إطار من الجوار الجغرافي الذي يخلق علاقات بعضها يدعو إلى التعاون والتماسك وبعضها الآخر يدفع في اتجاه التنافر الذي يصل إلى العداء، مشيرًا إلى أن التجربة العربية في البناء الإقليمي لم تكن إيجابية ورغم أنها بدأت بتصورات طموحة عندما جرى إنشاء الجامعة العربية، فإن حالة العالم والحرب الباردة فيه ونشوب الصراع العربي - الإسرائيلي جعلت من الإقليمية العربية حلمًا.
وتابع أن هناك ثلاثة عوامل حاكمة للتفاعلات بين الدول العربية أولها ضرورة البحث عن نظام إقليمي عربي جديد يكون الاعتماد على الذات لبنته الأولى، وثانيها التجربة العربية ذاتها التي حكمت التطور العربي خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والمتعلقة بما سمي الربيع العربي ونتائجه من حروب أهلية ونمو في الإرهاب وتيارات الأصولية الدينية، وثالثها ظهور حالة من الإصلاح العربي في عدد من الدول العربية التي نجت من "الربيع" ونجحت في مواجهته، أو تلك التي تجاوزته من خلال رفض الأوضاع التقليدية العربية سواء أكانت في دول الممالك أم دول الجمهوريات.
وأشار د. جمال عبد الجواد المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أنه بعد مرحلة هيمنت فيها الولايات المتحدة منفردة على قمة النظام الدولي، صعدت قوى إضافية أصبحت تزاحم الولايات المتحدة على القمة، وأصبحت تطالب بتجاوز النظام الدولي الذي انفردت الولايات المتحدة بوضع قواعده، غير أن التحولات الحادثة في النظام الدولي تبدو أعمق من مجرد صعود الصين وروسيا لمزاحمة الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي، فهناك عوامل حرمت القوى الكبرى من القدرة على فرض إرادتها، وتقدم الحربان في أوكرانيا وإيران نموذجين لحالتين فشلت فيهما قوة كبرى في كسر إرادة بلد متوسط القوة.
القوة العسكرية
وتابع أن الجديد الآن هو زيادة رصيد الدول متوسطة القوة من موارد القوة لدرجة مكنتها من تحييد القوة العسكرية المتفوقة للقوى الكبرى، أو حرمان القوة الكبرى من تحقيق أهدافها السياسية حتى لو لم تنتصر عليها في الحرب، مشيرًا إلى أن الحرب في أوكرانيا، والحرب في إيران هي حروب ذات أثر عميق على النظام الدولي، وهي أكبر كثيرًا من كونها حروبًا إقليمية محدودة.
وتحدث السفير عزت علي البحيري رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة، عن المطالب المتعلقة بإصلاح النظام الدولي، حيث أشار إلى أن إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن بزيادة التمثيل الإفريقي والآسيوي بهما، هو أمر مطروح منذ عقدين، لكنه معطل لتعارضه مع مصالح الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ومطلوب أيضًا تقليص استخدام حق النقض لضمان قرارات أكثر عدلًا واستقلالية، وتفعيل دور محكمة العدل الدولية وإلزام الدول باحترام ميثاق الأمم المتحدة وكذلك يحتاج صندوق النقد والبنك الدولي إلى إعادة توزيع حصص التصويت لتعكس الوزن الاقتصادي للاقتصاديات الناشئة، وجدير بالذكر أن قمة المستقبل عام ٢٠٢٤ اعتمدت ميثاق المستقبل الذي يدعو إلى إصلاح النظام الأممي، لكن التحدي يظل في إمكانية التنفيذ.
تجمع بريكس
وتابع أن صعود تكتلات اقتصادية وسياسية، مثل تجمع بريكس يمنع أي دولة أو تحالف من الاستئثار بالقرار العالمي، كما أن دور القوى الوسطى مثل "مصر وتركيا وإندونيسيا والسعودية" كوسيط فعَّال في أزمات إقليمية قد يكون عنصر اتزان، موضحًا أن استعادة توازن القوى بالنظام الدولي لا يعني عودة الحرب الباردة أو سياق التحالفات والتكتلات الدولية، بل يعني منطق الحذر من الهيمنة، لهذا تصبح نظرية توازن القوى أداة تفسيرية معاصرة لفهم تحركات الدول الحليفة للولايات المتحدة في مواجهة سياسات أحادية أو غير متوقعة، دون افتراض أن هذه التحركات تعكس بالضرورة عداءً أو رغبة في تقويض النظام الدولي القائم، إذ إنها بالأحرى محاولة لإعادة ضبط موازين الاعتماد والنفوذ داخل نظام دولي أصبح أكثر تعددية وتعقيدًا من ذي قبل.


























