مقالات

د. ميادة عبدالعال تكتب: ثقافة الترند.. بين صناعة الشهرة وتوجيه العقول

خط أحمر

لم تعد الشهرة في العصر الرقمي مرتبطة بالموهبة أو الإنجاز أو حتى امتلاك رسالة حقيقية، بل أصبحت في كثير من الأحيان رهينة لخوارزميات المنصات الرقمية التي تحدد ما يجب أن يراه الجمهور وما يستحق الانتشار.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت كلمة «الترند» من مصطلح يعبر عن الموضوعات الأكثر تداولًا إلى ثقافة متكاملة تؤثر في طريقة التفكير وتعيد تشكيل اهتمامات الجمهور. ولم يعد السؤال المطروح: ما القضية الأكثر أهمية؟ بل أصبح: ما الموضوع الأكثر انتشارًا؟
هذا التحول لم يغير طبيعة المحتوى فحسب، بل أعاد رسم خريطة التأثير داخل المجتمع. ففي الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية تمتلك القدرة على توجيه اهتمام الجمهور نحو القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأكثر أهمية، أما اليوم، فقد أصبحت المنصات الرقمية صاحبة الكلمة الأقوى في تحديد أولويات المتابعين.
المشكلة أن معايير الانتشار لا تعتمد دائمًا على القيمة أو الجودة، وإنما ترتبط في كثير من الأحيان بقدرة المحتوى على إثارة الجدل وجذب التفاعل. ولذلك، قد تتحول قضية عابرة إلى محور اهتمام الملايين خلال ساعات قليلة، بينما تتراجع موضوعات أكثر أهمية إلى دائرة التهميش.
ولعل أخطر ما أفرزته ثقافة الترند هو تحويل الاهتمام إلى سلعة تتنافس عليها المنصات وصناع المحتوى. فأصبح النجاح يقاس بعدد المشاهدات، وأصبحت قيمة المحتوى مرتبطة بحجم التفاعل الذي يحققه، وليس بقدرته على تقديم معرفة حقيقية أو إضافة جديدة.
ولم يعد تأثير هذه الثقافة مقتصرًا على المجال الإعلامي، بل امتد إلى السلوك الاجتماعي أيضًا. فالكثير من المستخدمين باتوا يشعرون بضرورة متابعة كل ما هو رائج، خشية البقاء خارج دائرة النقاش أو فقدان التواصل مع المجتمع الرقمي.
وفي المقابل، وجد كثير من صناع المحتوى أنفسهم أمام معادلة جديدة تفرض عليهم إنتاج محتوى سريع قادر على تحقيق الانتشار في أقصر وقت ممكن. ونتيجة لذلك، تراجع المحتوى المتعمق لصالح مقاطع قصيرة تعتمد على الإثارة والعناوين الجاذبة.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى ثقافة الترند باعتبارها ظاهرة سلبية بشكل مطلق. فقد أسهمت المنصات الرقمية في تسليط الضوء على العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية، ومنحت الأفراد فرصة للتعبير عن آرائهم والوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى وسطاء.
لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتحول الانتشار إلى معيار للحقيقة، وعندما تصبح الشهرة دليلًا على المصداقية. وهنا تبرز أهمية الوعي الرقمي، الذي أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن امتلاك المعلومات نفسها.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع المحتوى الرقمي، ليس بهدف مقاومة الترند أو تجاهله، وإنما لفهم آليات عمله وتأثيره في تشكيل وعينا وقراراتنا اليومية.
فثقافة الترند لم تعد مجرد ظاهرة مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبحت قوة قادرة على توجيه النقاشات العامة وصناعة النجوم وتحديد أولويات المجتمعات، وهو ما يفرض علينا التعامل معها بقدر أكبر من الوعي والمسؤولية.

د. ميادة عبدالعال ثقافة الترند. بين صناعة الشهرة وتوجيه العقول خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة