مقالات

محمد محفوظ يكتب: بين مراسي… ومآسي”

خط أحمر

لا أحد يحسد أحدًا على رزقه…
لكن من حقنا أن نسأل: متى تحولت مصر إلى وطنين؟
وطن يقضي الصيف فوق اليخوت، ووطن يقضيه في طوابير الخبز وانقطاع المياه .

فبين “مراسي” و”المآسي” ليس مجرد تشابه في الحروف…

بل حكاية وطن، يخشى أبناؤه أن يأتي يوم يصبح فيه البحر نفسه للأغنياء، بينما يكتفي الفقراء بالنظر إليه من بعيد

المأساة ليست في وجود “مراسي”، بل في وجود وطن يبدو وكأنه انقسم إلى طبقتين لا تلتقيان.

طبقة تنفق بلا حساب لأنها لا تعرف معنى الحساب.

وطبقة تحاسب نفسها على كل جنيه لأنها تعرف أن الغد قد يكون أصعب من اليوم.

فحين يصبح الوطن شاطئين… أحدهما يسبح في الملايين، والآخر يغرق في الفواتير،
وطن تُنفق فيه الملايين في سهرة لا تتجاوز ساعات، ووطن يحسب المواطن فيه ثمن المواصلات قبل أن يخرج من بيته.
ففي “مراسي” تتنافس الفيلات على من يطل على البحر أكثر…
وفي جمصة وبلطيم والمصايف الشعبية يتنافس الأب على أن يوفر لأطفاله أسبوعًا من الفرح قبل أن يعود إلى دوامة الديون.
في “مراسي” تُفتح زجاجات بمبالغ تكفي لإطعام قرية كاملة.
وفي المصايف الشعبية تُفتح علب الجبن والطماطم التي أحضرتها الأم من البيت حتى لا تتحمل الأسرة تكلفة وجبة في مطعم.
أي مفارقة أكثر قسوة من هذه؟
لسنا أمام فرق في مستوى المعيشة…
بل أمام فجوة تكاد تكون بين كوكبين.
هناك من يعيش داخل اقتصاد لا يعرف معنى كلمة “غلاء”.
وهناك من يعيش داخل اقتصاد لا يعرف معنى كلمة “راحة”.
الأخطر ليس أن هناك من يملك الكثير…
الأخطر أن يتحول استعراض هذا الثراء إلى مهرجان يومي، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بسعر الساعة التي يرتديها، أو طول اليخت الذي يمتلكه، أو عدد الحراس الذين يحيطون به.
وكأن الفقراء أصبحوا مجرد كومبارس في فيلم البطولة المطلقة للأثرياء.
كل صيف تتكرر المسرحية.
كاميرات تلهث خلف المشاهير والأغنياء، بينما الملايين الذين يحملون هذا البلد على أكتافهم لا يجدون كاميرا واحدة تسألهم: كيف تعيشون؟
كيف تقضون الصيف؟
وكيف تقاومون الأسعار؟
المؤلم ليس أن ترى من يملك مليارًا…
المؤلم أن ترى من يملك مليارًا، ويشعر أن استعراضه أمام من لا يملك ثمن الدواء أصبح نوعًا من “الترفيه”.
إن الأمم لا تُقاس بعدد المنتجعات الفاخرة، وإنما بقدرة المواطن البسيط على أن يعيش بكرامة.
ولا تُقاس بعدد اليخوت الراسية، وإنما بعدد القلوب التي تشعر بأن هذا الوطن يتسع للجميع.
اليوم لم تعد المشكلة في “مراسي”…
المشكلة أن “المآسي” أصبحت أكثر اتساعًا من البحر نفسه.
وإذا استمرت الفجوة في الاتساع، فلن يصبح السؤال: من يملك أكثر؟
بل سيصبح السؤال الأخطر:
إلى أي مدى يستطيع وطنٌ واحد أن يحتمل كل هذا التفاوت… دون أن يفقد إحساسه بأنه وطن واحد؟

محمد محفوظ بين مراسي ومآسي خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة