مقالات

ناصر تركي يكتب: الساحل الشمالي… عندما ننظر إلى التنمية بعين الاقتصاد لا بعين الانطباعات

خط أحمر

في كل صيف يتجدد الجدل حول الساحل الشمالي، وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات، بعضها موضوعي ويستحق التوقف عنده، وبعضها الآخر يتحول إلى هجوم على المشروعات والمستثمرين، وكأن نجاح أي مشروع أصبح سببًا للهجوم عليه بدلاً من النظر إلى ما يضيفه للاقتصاد الوطني.

النقد حق، بل هو ضرورة، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح، والنقد الذي يتحول إلى تشويه، لأن الأول يبني، بينما الثاني يهدم، ليس فقط صورة المشروع، وإنما صورة الاستثمار في مصر ككل.

إذا نظرنا إلى الساحل الشمالي من منظور اقتصادي، سنكتشف أننا أمام واحد من أكبر مشروعات التنمية العمرانية والسياحية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة. فمنذ أن بدأت حركة التطوير الحديثة بمناطق مثل مارينا ومراقيا، ثم امتدت إلى سيدي عبد الرحمن ومراسي، وصولًا إلى مدينة العلمين الجديدة، أصبح الساحل الشمالي مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، وليس مجرد وجهة لقضاء الإجازات الصيفية.

واليوم، مع مشروع رأس الحكمة، الذي يمثل واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ مصر، ثم المشروعات العملاقة في الضبعة والعلمين ورأس الحكمة وعلم الروم وغيرها، أصبح الساحل الشمالي أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

لكن كثيرين ينظرون إلى المشهد من زاوية ضيقة، فيرون الأبراج والمنتجعات فقط، بينما الحقيقة أن القيمة الاقتصادية تبدأ قبل تشييد أول مبنى بسنوات.

فالدولة تستفيد من قيمة الأراضي، ورسوم التعاقد، وأعمال البنية التحتية، ثم من حركة البناء والتشييد، وبعدها من النشاط التجاري، ثم من الضرائب والرسوم المختلفة، وصولًا إلى التشغيل المستدام للمشروعات وما يرتبط به من أنشطة اقتصادية لا تنتهي.

أما المجتمع، فهو المستفيد الأكبر.

فشركات المقاولات مصرية، ومصانع الحديد والأسمنت والسيراميك والأثاث مصرية، وشركات النقل والخدمات والتوريدات مصرية، وآلاف المهندسين والفنيين والعمال يعملون في هذه المشروعات على مدار العام.

ومع بدء التشغيل، تتضاعف فرص العمل داخل الفنادق، وشركات الإدارة، والمطاعم، والمحال التجارية، وشركات الأمن والصيانة والنظافة، فضلًا عن آلاف الشباب الذين يتوجهون كل صيف من مختلف محافظات مصر للعمل خلال الموسم، فيحققون دخولًا تساعدهم وأسرهم.

هذه هي التنمية الحقيقية… عندما تتحرك عشرات القطاعات الاقتصادية معًا، ويستفيد الجميع بصورة مباشرة وغير مباشرة.

وهذا لا يعني أن الساحل الشمالي بلا أخطاء.

فهناك ملاحظات تتعلق ببعض الشواطئ، أو الكثافات البنائية، أو مستوى الخدمات، أو التخطيط في بعض المناطق، وهي قضايا تستحق النقاش، بل ويجب العمل على معالجتها باستمرار.

لكن معالجة الأخطاء لا تكون بتشويه المشروعات أو التقليل من قيمتها أو الإساءة إلى المستثمرين الذين ضخوا مليارات الجنيهات في الاقتصاد المصري.

فالمستثمر، سواء كان مصريًا أو عربيًا أو أجنبيًا، يبحث أولًا عن بيئة مستقرة تحترم الاستثمار، وتناقش المشكلات بعقلانية، لا بحملات التشهير أو السخرية.

ومن حق أي مالك وحدة أن يطالب بحقوقه، وأن يناقش إدارة مشروعه، وأن يلجأ إلى الجهات الحكومية المختصة إذا لم يجد حلًا، ثم إلى القضاء إذا اقتضى الأمر. هذه هي دولة القانون.

أما تحويل الخلافات الفردية إلى حملات تشويه عامة، فهو لا يضر المطور العقاري وحده، بل ينعكس على قيمة استثمارات مئات الآلاف من الملاك، ويؤثر على سمعة المقصد السياحي المصري بأكمله.

ولا ينبغي أن ننسى درس الماضي.

فمناطق عديدة على الساحل الشمالي، مثل العجمي وأبو يوسف وأبو تلات وغيرها، كانت من أجمل مناطق البحر المتوسط، لكنها تراجعت بسبب غياب التخطيط الكافي، وضعف الاستثمار المنظم، والامتداد العمراني غير المدروس.

واليوم، تملك مصر فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة الساحل الشمالي بالكامل، ليصبح مقصدًا سياحيًا عالميًا يعمل طوال العام، وليس خلال أشهر الصيف فقط، مستفيدًا من شواطئه ذات الرمال البيضاء، ومياهه الفيروزية، ومناخه المعتدل، وموقعه الفريد على البحر المتوسط.

إن زيادة الاستثمارات ليست هدفًا اقتصاديًا فقط، بل وسيلة لخلق فرص عمل، وتحسين البنية الأساسية، وزيادة موارد الدولة، ورفع مستوى معيشة المواطنين.

ولهذا فإن مسؤوليتنا جميعًا هي دعم كل استثمار جاد، مع المطالبة الدائمة بتطوير الأداء، وتحسين الخدمات، والحفاظ على حقوق المواطنين والملاك، لأن التنمية الحقيقية لا تقوم على الصمت عن الأخطاء، كما أنها لا تقوم على الهدم والتشهير.

إن مصر لا تحتاج إلى معركة بين الاستثمار والمواطن، وإنما تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة، والمستثمر، والمواطن، تقوم على الشفافية، وسيادة القانون، واحترام الحقوق، والإيمان بأن نجاح أي مشروع وطني كبير هو نجاح للاقتصاد المصري كله.

فالاستثمار السياحي ليس رفاهية للأثرياء، بل صناعة وطنية يستفيد منها الجميع. فالشخص الذي لا يمتلك وحدة في الساحل قد يكون هو المقاول الذي ينفذ المشروع، أو العامل الذي يحصل على فرصة عمل، أو صاحب المصنع الذي يورد مواد البناء، أو السائق، أو صاحب المطعم، أو الشاب الذي يعمل خلال موسم الصيف، أو المواطن الذي يستفيد من زيادة موارد الدولة بالعملة الأجنبية وارتفاع الحصيلة الضريبية. ولذلك فإن نجاح هذه المشروعات لا يقتصر أثره على المستثمر أو المالك، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.

فحين ينجح الاستثمار… تنجح مصر.

ناصر تركي الساحل الشمالي عندما ننظر إلى التنمية بعين الاقتصاد لا بعين الانطباعات خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة