د. فتحي الشرقاوي يكتب: أطفئوا نار الفتنة بسرعة


شهد ديوان عام محافظة قنا، يوم الأربعاء 15 يوليو، واقعة لافتة خلال اجتماع خُصص لمناقشة ملف تقنين أوضاع الكنائس، بعدما انسحب ممثلو الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية احتجاجًا على مطالبتهم بتسليم هواتفهم المحمولة قبل دخول قاعة الاجتماع، تنفيذًا لتعليمات صادرة من محافظ قنا.
وأوضح زرعي أن ممثلي الكنائس الثلاث رفضوا هذا الإجراء، مؤكدين أن هواتفهم تحتوي على صور المستندات والخرائط والقرارات والملفات الخاصة بملف تقنين الكنائس، والتي يعتمدون عليها أثناء مناقشات الاجتماع، معتبرين أن مطالبتهم بتسليمها تمثل إساءة وعدم تقدير للوفد الكنسي.
إلا أن الوفد تمسك بموقفه وقرر الانسحاب من الاجتماع. وأضاف أن المحافظ التقى أعضاء الوفد أثناء مغادرتهم، وأكد أن القرار صدر بتعليماته ولأسباب أمنية، لكن ممثلي الكنائس أوضحوا أن ملف تقنين الكنائس ليس ملفًا سريًا، وأن جميع قراراته منشورة في الجريدة الرسمية، كما شددوا على أنهم ممثلو كنائس وليسوا موظفين بالمحافظة، وبالتالي لا يرون مبررًا لسحب هواتفهم قبل الاجتماع.
وبحسب رواية المستشار إيليا زرعي، فقد تمسك المحافظ بقراره، لتنتهي الواقعة بمغادرة ممثلي الكنائس الثلاث مقر المحافظة، بينما استُكملت مناقشة ملف تقنين الكنائس في غياب ممثلي الكنائس أصحاب الشأن.
ومنذ وقوع هذه الواقعة، تكاد صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تنفجر بين من يحاول التقليل من حدة الموقف وتبسيطه وفك حالة الاحتقان، وبين نزعات بلغت حدًا من التعصب لا يمكن وصفه.
وإذا نظرنا، نحن أهل التخصص في علم النفس السياسي، إلى هذا الحدث من منظور إدارة الأزمات، وليس من منظور الانحياز لأي طرف، فسنجد أنه يمثل نموذجًا لما يسمى الأزمة الناشئة عن سوء إدارة الموقف؛ إذ تحولت مسألة إجرائية، وهي سحب الهواتف، إلى أزمة بسبب طريقة التعامل معها.
وتشير أبسط مبادئ إدارة الأزمات إلى أنه كان بالإمكان احتواء الموقف قبل تصعيده، وعدم تحويل الخلاف الإجرائي إلى مواجهة.
أولًا: إصدار توضيح من قيادات المحافظة، وبالأخص من المحافظ، بصورة رسمية وهادئة، يبين أسباب سحب الهواتف، مع التأكيد على أن هذا الإجراء أمني ويُطبق على الجميع دون استثناء.
ثانيًا: فتح قناة للحوار مع رؤساء الوفود الثلاثة، للاستماع إلى اعتراضاتهم ومحاولة الوصول إلى صيغة توافقية.
ثالثًا: البحث عن بدائل تحقق الهدف الأمني دون تعطيل الاجتماع، مثل السماح بإحضار النسخ الورقية، أو استخدام أجهزة مخصصة داخل قاعة الاجتماع.
رابعًا: تقدير الحساسية الرمزية؛ لأن التعامل مع وفود تمثل رموزًا دينية قد يُفسر خارج سياقه الإجرائي إذا لم تُدار الرسائل بعناية.
خامسًا: إدارة الاتصال الإعلامي بسرعة إذا بدأت الأزمة في الانتشار، مع التأكيد على الحقائق وتجنب التصريحات الانفعالية.
لماذا بادرت، كباحث علمي، بطرح هذا الموضوع؟
حتى نتمكن من محاصرة المظاهر السلبية بأسرع وقت ممكن، والحد من آثارها قبل تفاقمها. فإذا لم تتم معالجة الأزمة، فقد تترتب عليها آثار متعددة، منها:
- فقدان الثقة بين الجهة الرسمية والوفد.
- شعور أعضاء الجماعة الدينية بعدم التقدير أو الاستهداف، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا.
- تصاعد التوتر عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
- توظيف الحادث سياسيًا أو اجتماعيًا من أطراف مختلفة.
- تعثر الحوار حول القضية الأساسية التي كان الاجتماع مخصصًا لها.
- إضعاف فرص التعاون مستقبلًا بين الطرفين.
- انتقال الأزمة من خلاف إجرائي إلى أزمة هوية أو كرامة، وهي أخطر أنواع الأزمات.
أما عن مسؤولية كل طرف من أطراف الأزمة، سواء المحافظ أو الوفود، في تفجرها، فسيكون ذلك موضوع المقال الآخر.




























