سكك حديد مصر.. تاريخ يمتد لـ175 عاما من التطوير والتحديث


قبل أكثر من قرن ونصف، بدأت مصر كتابة أولى صفحات تاريخ السكك الحديدية في أفريقيا والشرق الأوسط، لتصبح ثاني دولة في العالم بعد المملكة المتحدة تمتلك هذا المرفق الحيوي، الذي تحول عبر العقود إلى أحد أهم شرايين التنمية والاقتصاد، وربط مختلف أنحاء الجمهورية، وصولا إلى الطفرة غير المسبوقة التي يشهدها اليوم في إطار خطة الدولة لتطوير منظومة النقل.
وسردت الهيئة قصة تأسيس السكة الحديد المصرية، حيث تعود البداية إلى عام 1834، عندما تم طرح فكرة إنشاء أول خطوط السكك الحديدية في مصر، حيث تم مد بالفعل قضبان خط يربط بين السويس والإسكندرية، إلا أن المشروع توقف لأسباب سياسية، حتى تم إحياء الفكرة من جديد عام 1851، لتبدأ رحلة إنشاء شبكة سكك حديدية امتدت لاحقا من شمال مصر إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.
وقالت الهيئة إن أول خط سكك حديدية فعلي في مصر هو خط (القاهرة – الإسكندرية)، الذي أنشأته إحدى الشركات الإنجليزية في عهد الخديوي عباس الأول، الذي تولى الحكم عام 1848، وجاء إنشاء الخط في الأساس لتسهيل وتسريع نقل البريد والمسافرين بين أوروبا، وخاصة إنجلترا، والهند، التي كانت تعد من أكبر مستعمرات الإمبراطورية البريطانية آنذاك، حيث كانت الرحلات تمر عبر ميناء الإسكندرية ثم برا إلى القاهرة، ومنها إلى ميناء السويس لاستكمال الرحلة بحرا عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.
ولتنفيذ المشروع، استعانت الشركة الإنجليزية بالمهندس روبرت ستيفنسون، نجل مخترع القطار البخاري، حيث وقع الخديوي عباس الأول عقدا معه بقيمة 56 ألف جنيه إسترليني لإنشاء خط بطول 209 كيلومترات يربط القاهرة بالإسكندرية، وبدأ العمل في المشروع عام 1852، وتم إنجازه عام 1856 بعد الإشراف على استيراد جميع المعدات اللازمة وتنفيذ الأعمال الإنشائية.
وأضافت الهيئة أن عام 1854 شهد تسيير أول قاطرة على أول خط حديدي في مصر بين القاهرة وكفر الزيات، قبل أن يكتمل خط (القاهرة – الإسكندرية) رسميا عام 1856، ثم افتتح بعد عامين خط (القاهرة – السويس)، وتلاه إنشاء خط (القاهرة – بورسعيد).
ونوهت إلى أنه في عام 1887 بدأت الدولة التفكير في مد خطوط السكك الحديدية إلى صعيد مصر، فيما شهد عهد الخديوي إسماعيل طفرة في التوسع بالشبكة، حيث أولى اهتماما كبيرا بمد الخطوط إلى مختلف أنحاء البلاد لدعم العمران، وتسهيل حركة التجارة والتنقل بين المحافظات.
وأشارت الهيئة إلى أن شبكة السكك الحديدية امتدت تدريجيا من الإسكندرية شمالا وحتى جنوب وادي حلفا، مرورا بمحافظات الدلتا والفيوم، كما بدأ عام 1898 تنفيذ الخط الحديدي من القاهرة إلى الأقصر، وتولت شركة "قنا – أسوان للسكك الحديدية" مد الخط إلى أسوان، وبعد دخول القوات البريطانية إلى السودان عام 1899، تقرر مد الخط من الأقصر إلى أسوان ثم إلى الشلال الأول، ليصبح امتدادا طبيعيا للشبكة المصرية حتى وادي حلفا داخل الحدود السودانية، وهو المشروع الذي اكتمل عام 1926.
وذكرت الهيئة أن مصر دخلن عصر قطارات الضواحي مع إنشاء خط حلوان خلال الفترة من 1870 إلى 1872، الذي ربط قلب القاهرة بضاحية حلوان، ثم انتشرت خطوط الترام داخل العاصمة، والتي أدارتها شركات بلجيكية وفرنسية، لتصبح الوسيلة الرئيسية للنقل العام في القاهرة خلال الربع الأول من القرن العشرين.
وأكدت هيئة السكك الحديدية أنه خلال الحرب العالمية الأولى، أنشأ البريطانيون خطا حديديا يربط القنطرة شرق بمدينة غزة لخدمة المجهود الحربي، واكتمل عام 1918، كما ازدادت أهمية السكك الحديدية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، بعدما أصبحت الوسيلة الرئيسية لنقل الجنود والعتاد العسكري.
وبعد ثورة 23 يوليو 1952، شددت الهيئة على أن الدولة أولت اهتماما كبيرا بتطوير السكك الحديدية وتحديثها، وزيادة عربات نقل الركاب، كما لعبت الشبكة دورا رئيسيا في نقل المعدات والخامات اللازمة لإنشاء السد العالي، أحد أكبر المشروعات القومية في تاريخ مصر.
وقالت إن الدولة تواصل حتى اليوم تنفيذ خطة شاملة لتطوير مرفق السكك الحديدية، ترتكز على رفع كفاءة البنية الأساسية، وتجديد وصيانة الخطوط، وتحديث نظم الإشارات والاتصالات، وتطوير المزلقانات، وتعزيز وسائل التحكم المركزي، إلى جانب تحديث أسطول الوحدات المتحركة، واستحداث قطارات جديدة، وتطوير الورش لتلبية احتياجات الصيانة الدورية لعربات الركاب والبضائع.
وأضافت أن الهيئة القومية لسكك حديد مصر تعد اليوم واحدة من أكبر هيئات السكك الحديدية في المنطقة، إذ تمتلك شبكة بطول 9570 كيلومتر تخدم 23 محافظة، وتنقل ما يقرب من 420 مليون راكب سنويا ، وتضم 705 محطات، و1221 مزلقان، و3040 عربة ركاب منها 850 عربة مكيفة، إلى جانب 8553 عربة بضائع، و793 جرار، فضلا عن 826 كوبري و100 نفق، و6 مناطق و9 قطاعات و8 شركات تابعة، بالإضافة إلى نحو 191 مليون متر مربع من الأراضي الصالحة للاستثمار، فيما بلغت الخطة الاستثمارية للهيئة خلال عام 2019/2020 نحو 11 مليار جنيه.
وأوضحت الهيئة أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة في تطوير منظومة السكك الحديدية، بدعم مباشر من القيادة السياسية، وخاصة عقب تكليف كامل الوزير بحقيبة النقل، حيث جرى تنفيذ خطة متكاملة لتحديث المرفق شملت تطوير المحطات، وإنشاء الأسوار على جانبي خطوط السكك الحديدية لحماية ممتلكات الهيئة، وتحديث نظم الإشارات على معظم الخطوط، وتجديد السكة والمزلقانات.
وتابعت أنه يجري حاليا تنفيذ أكبر خطة لتحديث الوحدات المتحركة من خلال التعاقد على توريد جرارات وعربات ركاب جديدة يتم توريدها على مراحل، بما يمثل نقلة نوعية في أسطول السكك الحديدية، مع توفير أعلى معايير السلامة والأمان والراحة، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للركاب.



























