خارجي

حرب إيران تعيد تشكيل خريطة المعادن الاستراتيجية والنادرة

خط أحمر

أحدثت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اضطراباً في سوق المعادن الاستراتيجية والنادرة، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتهديد العديد من الصناعات المرتبطة بها.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، ارتفعت أسعار المعادن الاستراتيجية خاصة المستخدمة في الصناعات الدفاعية بنسب متفاوتة، مثل التنغستن والجرمانيوم والغرافيت، إضافة إلى الكوبالت والليثيوم واللانثانوم، مدفوعة بانخفاض المخزونات وارتفاع الطلب على الصواريخ والأنظمة العسكرية، مثل "توماهوك" و"باتريوت"، إلى جانب صناعة المقاتلات.

وقال الخبير الاقتصادي سامي أمين، إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع عابر في أسعار المعادن النادرة والاستراتيجية، بل هو بداية انتقال العالم من "اقتصاد الطاقة إلى اقتصاد المعادن الاستراتيجية".

وتشمل المعادن الاستراتيجية طيفاً واسعاً من المعادن المستخدمة في الصناعات العسكرية والتكنولوجية والطاقة، مثل التيتانيوم والتنغستن والكروم والكوبالت، وهي مهمة للاقتصاد والأمن القومي والصناعات الحيوية بشقيها المدني والعسكري.

أما المعادن النادرة فهي فئة محددة تضم 17 عنصراً كيميائياً تستخدم في الصناعات المتقدمة، ومن أبرزها النيوديميوم والديسبروسيوم واللانثانوم، والتي تدخل في صناعة الرادارات والصواريخ والطائرات المقاتلة والسيارات الكهربائية والمغناطيسات فائقة القوة.

وفي حديث مع الأناضول، اعتبر أمين أن الحرب على إيران كشفت أن القرن الحادي والعشرين لا يدار فقط بالنفط والغاز، بل أيضاً بالمعادن الاستراتيجية.

وأوضح أن "الحروب الحديثة أصبحت تستهلك معادن استراتيجية تدخل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية أكثر مما تستهلك من الوقود التقليدي".

-سباق المعادن الاستراتيجية

وقال الخبير الاقتصادي إن "الحرب رفعت الطلب العسكري بشكل فجائي على الصناعات العسكرية، فيما تعتمد هذه الصناعات بشكل أساسي على المعادن النادرة".

وأشار أمين إلى أن الحرب على إيران أدت إلى "صدمتين متزامنتين"، تتمثل الأولى في صدمة الطلب العسكري، حيث قال الخبير الاقتصادي، إن الولايات المتحدة وحلفاءها استهلكوا كميات ضخمة من المعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي.

وتابع: "هذا يعني نقصاً في المخزونات، مما سيضاعف الطلب على المعادن الاستراتيجية".

وأما الثانية فتتمثل في صدمة المخزون الاستراتيجي، إذ بدأت الدول اليوم تتجه نحو مرحلة التخزين الدفاعي للمعادن، بدلاً من الاقتصار على شرائها من السوق الدولية، وسط تناقص المخزونات في هذه الأسواق.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي، في ظل هذه التطورات، بدأ فعلياً التفكير في مخزونات للمعادن الاستراتيجية لتقليل التبعية للصين، التي تهيمن على جزء كبير من عمليات تعدين وتكرير هذه المعادن عالمياً.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن عدة إجراءات تهدف إلى تقليل الاعتماد على الصين في المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية، في ضوء تقييد بكين صادرات المعادن النادرة ومواد البطاريات.

وفي 9 أكتوبر الماضي، أعلنت وزارة التجارة الصينية فرض قيود جديدة على صادرات المعادن النادرة، أو نقل معدات أو معلومات تتعلق بإنتاجها أو معالجتها، وذلك لـ"دواعٍ تتعلق بالأمن القومي".

وتنص القيود الجديدة على حصول المصدرين للمعادن النادرة على "ترخيص تصدير" من الوزارة الصينية المعنية.

-تشكيل خريطة المعادن

وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي، إن الحرب على إيران من شأنها إعادة تشكيل خريطة المعادن النادرة والاستراتيجية "بشكل جذري".

وتابع أمين: "العالم يتجه نحو إعادة هندسة كاملة لسلاسل القيمة المعدنية العالمية، حيث إن هناك انتقالاً إلى القومية المعدنية"، فالدول باتت تتعامل مع هذه المعادن كـ"مواد وصناعات سيادية".

وأشار إلى أن هذه المعادن تحولت إلى أداة "ردع جيوسياسي"، على غرار ما كان عليه النفط في سبعينيات القرن الماضي حيث تم التعامل معه كـ"سلاح".

ووصف المعادن النادرة بأنها باتت "سلاح القرن الحالي".

وبحسب أمين، فإن الصراع العالمي انتقل من الطاقة إلى المعادن، مضيفاً أن الحرب على إيران كشفت أن المعادن أصبحت "النفط الجديد للصناعات الدفاعية".

وتشير بعض الدراسات إلى أن تصنيع صاروخ واحد يتطلب عدداً من هذه المعادن، وهذا ما تتطلبه كذلك الصناعات العسكرية، فالتيتانيوم يستعمل مثلاً في الصواريخ والأسلحة التي تحتاج إلى قوة عالية وأوزان أقل، والمغنيسيوم في السبائك الخفيفة، والكروم في الطلاء ومختلف تقنيات الحماية، والتنغستن في بعض المكونات والتطبيقات العسكرية بهدف تحمل الضغوط والحرارة المرتفعة.

-قوة الصين

وقال الخبير الاقتصادي، إن الصين فهمت مبكراً أن السيطرة على المعادن ليست في السيطرة على المناجم فقط، بل في التكرير والفصل الكيميائي وتصنيع المغناطيسات والتكنولوجيا الصناعية المرتبطة بها.

وتعتمد الصناعات العسكرية الحديثة على مغناطيسات فائقة القوة تُصنع من بعض المعادن النادرة، مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، وتستخدم في أنظمة توجيه الصواريخ والرادارات والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى السيارات الكهربائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما جعل السيطرة على إنتاجها جزءاً أساسياً من الصراع الصناعي والجيوسياسي العالمي.

وتابع: "لهذا تسيطر بكين على حوالي 70% من التعدين العالمي لبعض المعادن، وأكثر من 90% من عمليات التكرير والمغناطيسات الأرضية النادرة".

وفيما يتعلق بمدى مساهمة قيود الصين في إرباك الصناعات الدفاعية، أوضح أمين أن بكين لم تستخدم حظراً كاملاً، بل استخدمت ما يمكن تسميته بالتحكم البيروقراطي الانتقائي.

وبهذا الصدد، ذكر أمين أن بكين اعتمدت "تراخيص بطيئة وموافقات متأخرة وشحنات جزئية، فضلاً عن غموض تنظيمي، مما خلق حالة من القلق الاستراتيجي لسلاسل الإمداد".

وأكد أن هذه الإجراءات نتج عنها تضرر عدة صناعات، منها "الدفاع والطيران، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، والروبوتات والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات".

ولفت أمين إلى أن العالم "لم يعد يعيش صراع الطاقة فقط، بل دخل فعلياً إلى مرحلة صراع المعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد الصناعية".

وأوضح أن الدول التي تسيطر على العناصر المرتبطة بالمغناطيسات والكيمياء المعدنية والتكنولوجيا الاستخراجية للمعادن الاستراتيجية، "ستمتلك مفاتيح القوة الصناعية والعسكرية للعقود القادمة".

وختم بالتأكيد على أن القوة العسكرية الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم الصناعات العسكرية، بل بقدرة الدولة على إعادة تصنيعها بسرعة تحت الضغط الجيوسياسي.

الحرب الحرس الثوري لبنان طهران ايران اسرائيل أخبار مصر أخبار اليوم خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة