مديحة عاشور تكتب: في بحور المعرفة.. حسن راتب ورحلة العقل المنشغل بالوطن


في زمنٍ تتراجع فيه قيمة الثقافة أمام صخب المصالح، يظل اسم حسن راتب واحدًا من الأسماء التي نجحت في الجمع بين عالم الفكر وعالم الاقتصاد، دون أن يفقد أحدهما لصالح الآخر. فهو ليس مجرد رجل أعمال استطاع أن يبني إمبراطورية اقتصادية، ولا مجرد مثقف يكتب من أبراج النظرية، بل نموذج نادر لرجل آمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الوعي، وأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الحجر.
ارتبط اسم حسن راتب طويلًا بسيناء؛ تلك البقعة التي لم يتعامل معها باعتبارها أرضًا جغرافية فقط، بل باعتبارها قضية وطنية وامتدادًا لمعنى الانتماء المصري. أحب سيناء بعين المفكر الذي يدرك قيمتها الحضارية والاستراتيجية، وبقلب الوطني الذي يرى في تعميرها حمايةً للهوية وحدود الوطن. لذلك لم يكن حضوره في مشروعات التنمية هناك حضورًا عابرًا، بل كان انحيازًا واضحًا لفكرة الدولة القوية التي تُبنى بالعلم والعمل والثقافة معًا.
وعلى امتداد سنوات، قدّم حسن راتب صورة مختلفة لرجل الأعمال؛ صورة لا تنفصل فيها الثروة عن المسؤولية الفكرية، ولا النجاح الاقتصادي عن الإسهام الثقافي. وربما يفسر ذلك اهتمامه الدائم بالمعرفة والكتابة، حتى بلغ رصيده خمسةً وعشرين مؤلفًا، كان أحدثها كتابه «في بحور المعرفة»، الذي احتُفل بإصداره مؤخرًا وسط حضور نخبة من المثقفين والإعلاميين والشخصيات العامة.
ولا يبدو عنوان الكتاب بعيدًا عن صاحبه؛ فالرجل الذي أمضى سنواته بين الاقتصاد والإعلام والعمل العام، يكتب بعقل الباحث الذي يرى المعرفة بحرًا لا شاطئ له. في هذا الكتاب لا يكتفي بطرح الأفكار، بل يحاول أن يفتح أبواب التأمل في أسئلة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة، مستندًا إلى خبرة طويلة جمعت بين التجربة العملية والرؤية الفكرية.
«في بحور المعرفة» ليس كتابًا يسعى إلى الاستعراض الثقافي، بل محاولة لتأكيد قيمة العقل في زمن الارتباك، وإعادة الاعتبار للفكر باعتباره أداة بناء لا ترفًا نخبويًا. ومن يقرأ الكتاب يلمس تلك النزعة التأملية التي تميز شخصية حسن راتب؛ حيث تمتزج الخبرة الحياتية بالأسئلة الفلسفية، ويصبح الحديث عن الوطن والثقافة والإنسان حديثًا صادرًا عن تجربة عميقة لا عن تنظير مجرد.
وربما تكمن خصوصية حسن راتب في أنه لم يتخلَّ يومًا عن المثقف داخله، رغم انشغاله بعالم المال والإدارة. ظل مؤمنًا بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل أحد أعمدة القوة الناعمة وصناعة الوعي. ولذلك جاءت تجربته ممتدة بين الكتابة والإعلام والتنمية، في محاولة دائمة لصياغة مشروع يقوم على الربط بين الفكر والعمل.
في النهاية، قد يختلف الناس حول التجارب، لكن تبقى الشخصيات التي تترك أثرًا فكريًا وإنسانيًا قادرة على فرض حضورها في الذاكرة العامة. وحسن راتب واحد من هؤلاء الذين اختاروا أن تكون رحلتهم أبعد من حدود النجاح التقليدي، إلى مساحة أوسع يصبح فيها الفكر شريكًا حقيقيًا في صناعة الحياة.


























