مديحة عاشور تكتب: سيناء.. حكاية وطن لا ينكسر


ليس الخامس والعشرون من أبريل مجرد تاريخٍ يُدوَّن في الذاكرة، بل هو نبض وطنٍ استعاد ذاته، وصوت شعبٍ أثبت أن الأرض لا تُفرِّط في أبنائها، كما لا يفرّط أبناؤها فيها. إنه يومٌ تتجدد فيه معاني العزة، وتُستعاد فيه لحظة من أنقى لحظات الكبرياء الوطني، حين عادت سيناء إلى حضن مصر، لا كأرضٍ مستردة فحسب، بل ككرامةٍ عادت إلى موضعها الطبيعي.
لم يكن الطريق إلى هذا اليوم مفروشًا بالسهولة، بل كُتب بسنواتٍ من الصمود، وامتد عبر مراحل من النضال، بدأت بإرادةٍ لم تعرف الانكسار، وتجلّت في معارك استنزفت العدو وأعادت بناء الثقة، حتى جاءت اللحظة الفاصلة في أكتوبر، حين تغيّرت معادلات القوة، وسقطت أسطورة التفوق التي حاول العدو ترسيخها.
في تلك اللحظة التاريخية، لم يكن العبور مجرد انتقالٍ عبر قناة، بل كان انتقالًا من زمنٍ إلى زمن، ومن حالةٍ إلى أخرى. عبر الجنود المصريون بإيمانٍ لا يتزعزع، محطمين كل ما قيل عن استحالة المواجهة، ومثبتين أن الإرادة حين تتسلح بالإيمان تتحول إلى قوة لا تُقهر. لم يكن النصر مجرد إنجاز عسكري، بل كان استعادةً لروح أمة، وعودةً لثقة شعب في قدرته على صنع مصيره.
لكن عظمة الدولة المصرية لم تتوقف عند حدود الميدان. فكما انتصرت بالسلاح، انتصرت بالعقل، وخاضت معركةً أخرى لا تقل صعوبة، معركة السياسة والدبلوماسية، حتى اكتمل المشهد بعودة سيناء كاملة إلى السيادة المصرية. كان ذلك درسًا بليغًا في أن القوة الحقيقية لا تقتصر على ميادين القتال، بل تمتد إلى القدرة على إدارة السلام وصون الحقوق.
وراء هذا المجد، تقف تضحيات لا تُحصى. رجالٌ صدقوا الوعد، وحملوا أرواحهم على أكفهم، فكانوا الحصن الذي حمى الوطن، والجسر الذي عبرت عليه مصر نحو مستقبلها. هؤلاء لم يكونوا مجرد جنود، بل كانوا عنوانًا للفداء، وصورةً خالدة لمعنى الانتماء الحقيقي.
ومع تغير طبيعة التحديات، لم تتغير عقيدة الدولة. فسيناء التي كانت ساحة حرب، أصبحت ساحة لمعركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركة تثبيت الوجود وبناء الحياة. أدركت مصر أن حماية الأرض لا تتحقق فقط بالدفاع عنها، بل بملئها بالحياة، وتحويلها إلى فضاءٍ نابضٍ بالإنتاج والتنمية.
من هنا، انطلقت رؤية وطنية واضحة، تقودها القيادة السياسية، تقوم على معادلة لا تقبل الاختزال: أمنٌ يحمي، وتنميةٌ ترسّخ، وحضورٌ يؤكد السيادة. لم تعد سيناء منطقة على أطراف الخريطة، بل أصبحت قلبًا نابضًا في جسد الدولة، ومجالًا حيويًا يعاد تشكيله بإرادة واعية.
اليوم، تقف سيناء شاهدًا حيًا على تحوّلٍ عميق؛ من ساحة صراع إلى نموذج للتنمية، ومن فراغٍ استراتيجي إلى مركز ثقلٍ في معادلة الدولة. إنها لم تعد مجرد أرض، بل أصبحت رمزًا لقدرة المصريين على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة واقعٍ يليق بتاريخهم.
وفي ذكرى التحرير، لا يكون الاحتفال مجرد استدعاءٍ للماضي، بل تأكيدًا على عهدٍ لا ينقطع؛ أن هذه الأرض ستظل مصونة، وأن رايتها ستبقى مرفوعة، وأن شعبها سيظل قادرًا على حماية وطنه مهما تبدلت التحديات.
ستظل سيناء… أرض الفيروز…
دليلًا على أن الأوطان لا تُسترد إلا بالإرادة، ولا تُبنى إلا بالإخلاص،
وأن مصر، حين تقرر، لا تعرف المستحيل.

.jpg)























