مقالات

د. هبة عادل تكتب: أوروبا وصدمة الطاقة… عندما تعيد الحروب تشكيل الحسابات الدولية

خط أحمر

تُظهر الأزمات الدولية الكبرى حقيقة لا يمكن تجاهلها: القرارات العسكرية قد تُتخذ في لحظات، لكن تداعياتها الاستراتيجية والاقتصادية قد تمتد لسنوات طويلة. والتصعيد المتسارع في الشرق الأوسط يعيد طرح هذا الدرس مرة أخرى، خصوصًا على الساحة الأوروبية.

ففي بداية التصعيد، بدت بعض العواصم الغربية وكأنها تميل إلى دعم خيارات الضغط العسكري على إيران. تصريحات متتالية صدرت من قادة أوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron، عكست استعدادًا لمساندة سياسات أكثر تشددًا تجاه طهران. لكن مع اتساع احتمالات التصعيد الإقليمي، بدأت لهجة الخطاب السياسي الأوروبي تتجه تدريجيًا نحو الدعوة إلى التهدئة وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة.

هذا التحول لا يمكن فصله عن معادلة الطاقة العالمية. فالممرات الاستراتيجية في الخليج، وعلى رأسها Strait of Hormuz، تمثل شريانًا رئيسيًا لتدفقات النفط والغاز نحو الأسواق الدولية. وأي اضطراب كبير في هذا الممر البحري الحيوي قد يدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يثير قلقًا بالغًا لدى الاقتصادات الصناعية الكبرى.

وتواجه أوروبا تحديدًا معادلة معقدة منذ سنوات، خاصة بعد أزمة الطاقة التي تفاقمت عقب تفجيرات خط Nord Stream pipeline، والتي ما تزال ملابساتها محل جدل دولي. فقد فقدت القارة جزءًا مهمًا من إمدادات الغاز الروسي منخفض التكلفة، ما دفعها إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة وأقل استقرارًا.

وفي حال اتسع نطاق التوتر في منطقة الخليج، فإن ذلك قد يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة العالمية. ولهذا تبدو العواصم الأوروبية اليوم أكثر حذرًا في حساباتها، إدراكًا منها أن أي تصعيد غير محسوب قد يرتد عليها اقتصاديًا قبل أي طرف آخر.

وفي خلفية هذه التطورات، تتكشف ملامح منافسة دولية أوسع. فالصين بقيادة Xi Jinping تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي عالميًا، مستفيدة من التحولات الجارية في النظام الدولي. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية في مواجهة هذا الصعود.

أما ألمانيا، بقيادة المستشار Olaf Scholz، فتجد نفسها أمام تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل اعتماد صناعتها الثقيلة على الطاقة المستقرة ومنخفضة التكلفة. وفي حال استمرت التوترات الجيوسياسية لفترة طويلة، فقد ينعكس ذلك بشكل مباشر على تنافسية الاقتصاد الألماني.

في النهاية، تذكرنا هذه التطورات بحقيقة استراتيجية ثابتة: الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة للصراعات الإقليمية، بل هو عقدة رئيسية في منظومة الطاقة والاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي تصعيد واسع في هذه المنطقة قد تتجاوز آثاره حدودها الجغرافية ليعيد رسم معادلات القوة في النظام الدولي بأسره.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تغليب منطق التهدئة والحلول السياسية، لأن تكلفة الحروب في عالم مترابط اقتصاديًا قد تصبح أكبر بكثير مما يتخيله صانعو القرار في لحظات التصعيد.

د. هبة عادل أوروبا وصدمة الطاقة خط أحمر
قضية رأي عامswifty
بنك مصر
بنك القاهرة